كتاب التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار (اسم الجزء: 16)

حديثٌ رابعٌ وأربعونَ منَ البلاغات
مالكٌ (¬١)، أنَّه بلَغه أنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنّي لأنسى أو أُنسّى، لأَسُنّ".
أما هذا الحديثُ بهذا اللفظِ فلا أعلمُه يُروَى عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بوجْهٍ من الوُجوهِ مُسندًا ولا مقطوعًا من غيرِ هذا الوجه، واللهُ أعلم، وهو أحدُ الأحاديثِ الأربعة في "الموطأ" التي لا توجدُ في غيرِه مُسندةٌ ولا مرسلَة، واللهُ أعلم (¬٢)، ومعناه صحيحٌ في الأصول، وقد مضَت آثارٌ في باب نومِه عن الصلاةِ تدُلُّ على هذا المعنى، نحوَ قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن اللهَ قبَض أرواحَنا لتكونَ سُنَّةً لمَن بعدَكم" (¬٣).
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إنما أنا بَشَرٌ أنسَى كما تنْسَون". وبُعِث -صلى الله عليه وسلم- مُعلِّمًا، فما سَنَّ لنا اتَّبَعناه، وقد بلَّغ ما أُمِر به، ولم يَتوَفَّهُ (¬٤) اللهُ حتى أكمَل دينَه سُننًا وفرائض، والحمدُ لله.
حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ وجيهُ بنُ الحسنِ بنِ يوسف، قال: حدَّثنا أبو بَكْرةَ بكّارُ بنُ قُتيبةَ القاضي، قال: حدَّثنا أبو داودَ الطيالسيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ النَّهْشَليُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ الأسودِ بنِ يزيد، عن أبيه، عن عبدِ الله، أنّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- صلَّى الظهرَ أو العصر، شَكَّ أبو بكرٍ لا يَدْرِي أيَّهما، قال عبدُ الرّحمن -وقد سمّاها عبدُ الرّحمن-: فصلَّى خمسًا، فقيل: يا رسولَ الله، أزِيدَ في الصلاة؟ قال: "وما ذاكَ؟ ". قالوا: صلَّيتَ خمسًا. فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما أنا بشرٌ مِثلُكم، أذكرُ كما تذكُرون، وأنسَى كما تنْسَون" (¬٥) (¬٦).
---------------
(¬١) الموطّأ ١/ ١٥٥ (٢٦٤).
(¬٢) قال ابن الصّلاح في رسالته وصل بلاغات مالك الأربعة: "وأمّا حديث النسيان، فقد رويناه من وجوه كثيرة صحيحة".
(¬٣) سلف تخريجه في أثناء شرح الحديث الثالث والأربعين لمرسل زيد بن أسلم.
(¬٤) في ي ٢: "يتوفاه"، والمثبت من الأصل.
(¬٥) أخرجه أحمد في المسند ٧/ ٩٠ (٣٩٨٣)، ومسلم (٥٧٢) (٩٣)، والنسائي في المجتبى (١٢٥٩)، وفي الكبرى ٢/ ٥٨ (١١٨١٣) من طرق عن أبي بكر بن عبد الله النهشليّ، به. الأسود بن يزيد والد عبد الرحمن: هو النّخعيُّ.
(¬٦) بعد هذا في ٢: "فلما فرغ سجد سجدتي السهو"، ولم ترد في الأصل ولا في أكثر النسخ، ولم يسقها الإمام أحمد في المسند، وهي في صحيح مسلم، ولكن من غير رواية الطيالسي.

الصفحة 326