كتاب الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التوريخ ت الظفيري

الَّتِي دَفَعُوا بِهَا مَضَرَّاتِ الْأَعْدَاءِ، وَخَلَصُوا بِهَا مِنَ الْمَهَالِكِ، وَاسْتَضَافُوا (¬١) نَفَائِسَ الْمُدِنِ وَعَظِيمَ الْمَمَالِكِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا غَيْرُ هَذَا لَكَفَى بِهِ فَخْرًا.
وَمِنْهَا: مَا يَحْصُلُ لِلإِنْسَانِ مِنَ التَّجَارِبِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَوَادِثِ، وَمَا تُصِيرُ إِلَيْهِ (¬٢) عَوَاقِبُهَا، وَإِنَّهُ لَا يَحْدُثُ أَمْرٌ إِلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ هُوَ أَوْ نَظِيرُهُ فَيَزْدَادُ (بِذَلِكَ) (¬٣) عَقْلًا، وَيُصْبِحُ لِأَنْ يُقْتَدَى بِهِ أَهْلًا.
وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ حَيْثُ يَقُولُ (¬٤):
وَجَدْتُ (¬٥) العَقْلَ عَقْلَيْنِ ... فَمَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعُ
وَلَا يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ ... إِذَا لَمْ يَكُ (¬٦) مَطْبُوعُ
يَعْنِي بِالْمَطْبُوعِ الْعَقْلَ الْغَرِيزِيَّ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى لِلْإِنْسَانِ، وَبِالْمَسْمُوعِ مَا يَزْدَادُ بِهِ الْعَقْلُ الْغَرِيزِيُّ مِنَ التَّجْرِبَةِ، وَجَعَلَهُ عَقْلًا ثَانِيًا (¬٧) تَوَسُّعًا وَتَعْظِيمًا لَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ زِيَادَةٌ فِي عَقْلِهِ الْأَوَّلِ" انتَهَى.
وَيُشِيرُ إِلَيْهِ الْمَرْوِيُّ فِي الْمَرْفُوعِ: "إِنْ حُدِّثْتَ (¬٨) أَنَّ رَجُلًا تَحَوَّلَ عَنْ طِبَاعِهِ فَلا
---------------
(¬١) في إحدى نسخ الكامل: استصانوا.
(¬٢) في أ: إليها، والمثبت من باقي النسخ.
(¬٣) ساقط من ز.
(¬٤) نسب الغزالي هذا النظم لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-. انظر: الغزالي، إحياء، ص ١١٠. ولم أجده في "ديوان علي" ط يوسف فرحات. وقد ورد النظم في أ، وفي الكامل، ١/ ١٠.
(¬٥) في الكامل: رأيت.
(¬٦) في ب: يكن.
(¬٧) في أ: ثابتًا، وهو تصحيف، والتصويب من باقي النسخ، ومن: الكامل.
(¬٨) في أ: حَدَثَ، والمثبت من باقي النسخ.

الصفحة 130