كتاب الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التوريخ ت الظفيري

البَشَرِ، عَلِمَ أَنَّهُ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ، وَيَنُوبُهُ مَا نَابَهُمْ.
وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ ... غَويْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ (¬١)
وَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ وَرَدَتِ الْقَصَصُ فِي القُرْآنِ الْمَجِيدِ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)} [ق: ٣٧].
فَإِنْ ظَنَّ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرَادَ بِذِكْرِ الْحِكَايَاتِ الْإِسْمَارَ، فَقَدْ تَمَسَّكَ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الزَّيغِ الَّذِينَ عَلَى شَفَا جُرْفٍ هَارٍ بِمُحْكَمِ سَبَبِهَا، حَيْثُ قَالُوا: هَذِهِ {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا} [الفرقان: ٥].
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ابْنُ خَمِيسٍ فِي مُقَدِّمَةِ "تَارِيخُ مَالَقَةَ" (¬٢):
"إِنَّ أَحْسَنَ مَا يَجِبُ أَنْ يُعْتَنَى بِهِ، وَيُلَمَّ بِجَانِبِهِ، بَعْدَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَعْرِفَةُ الْأَخْبَارِ، وَتَقْيِيدُ الْمَنَاقِبِ وَالآثَارِ؛ فَفِيهَا تَذْكِرَةٌ بِتَقَلُّبِ الدَّهْرِ بِأَبْنَائِهِ (¬٣) وَإِعْلَامٌ بِمَا طَرَأَ فِي سَالِفِ الْأَزْمَانِ مِنْ عَجَائِبِهِ وَأَنْبَائِهِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ (¬٤) يَجِبُ أَنْ تُتَّبَعَ آثَارُهُمْ، وَتُدَّونَ مَنَاقِبُهُمْ وَأَخْبَارُهُمْ؛ لِيَكُونُوا كَأَنَّهُمْ مَاثِلُونَ بَيْنَ عَيْنَيكَ مَعَ الرِّجَالِ، وَمُتَصَرِّفُونَ وَمُخَاطِبُونَ لَكَ فِي كُلِّ حَالٍ، وَمَعْرُوفُونَ بِمَا هُمْ بِهِ مُتَصِفُّونَ، فَيَتْلُو (¬٥) سُوَرَهُمْ مَنْ لَمْ يُعَايَنْ صُوَرَهُمْ، وَيُشَاهِدُ مَحَاسِنَهُمْ مَنْ لَمْ يَعْطِهِ السِّنُّ أَنْ يُعَايِنَهُمْ، فَيَعْرِفُ بِذَلِكَ مَرَاتِبَهُمْ وَمَنَاصِبَهُمْ، وَيَعْلَمُ الْمُتَصَرِّفَ مِنْهُمْ فِي الْمَنْقُولِ وَالْمَفْهُومِ،
---------------
(¬١) هذا البيت المشهور لدُريد بن الصِّمَّة. انظر: ديوانه، ص ٤٧.
(¬٢) طُبع بعنوان: أدباء مالقة، وحققه صلاح جَرَّار. أما مقدمة ابن خميس المذكورة فقال المحقق عنها ص ٢٦: "ولكن هذه المقدمة غير موجودة في النسخة الخطية ... ". لذا قام المحقق بإثبات نقل السخاوي بتقديمه للكتاب.
(¬٣) في أ: بأنيابه، وهو تصحيف، والتصويب من باقي النسخ.
(¬٤) في ب: الذي.
(¬٥) في أ، ب: فيتلوا، والمثبت من باقي النسخ.

الصفحة 132