كتاب تحرير المنقول وتهذيب علم الأصول

وقيل: إنما يخصص المعطوف عليه بما في المعطوف من الخصوص إذا كان بخصوص المادة كالحديث (¬1)، وقيل: الجملة الثانية في الحديث، كلام تام لا يقدَّر فيه شيء.
¬__________
(¬1) يشير المصنف هنا إلى الحديث الذي رواه أبو داود في الجهاد، باب في السرية ترد على أهل العسكر، رقم (2751)، وفي الديات، باب أيقاد المسلم بالكافر؟، رقم (4530)، والنسائي في القسامة، باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس، رقم (4734، 4735)، وباب سقوط القود من المسلم للكافر، رقم (4745، 4746)، وابن ماجه في الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر، رقم (2660)، وأحمد (1/ 119، 122، 2/ 180، 191، 194، 211) من طرق عن علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه ابن عمرو بن العاص، وابن عباس رضي اللَّه عنهم مرفوعًا أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "أَلا لَا يُقْتَلُ مؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِه". وقد اختلف الأصوليون في هذا الحديث؛ حيث إن لفظ (كافر) فيه نكرة في سياق النفي فتعم كل كافر حربيًا كان أو ذميًا؛ فالجمهور يرون أن التعاطف بين الجملتين لا يقتضي أكثر من اشتراكهما في أصل الحكم، وذهب الحنفية إلى أن عموم المعطوف عليه ينسحب أيضًا إلى المعطوف؛ لأن العطف يسوي بين المعطوف والمعطوف عليه في العموم، ولا يصح العموم في الحديث في المعطوف؛ لأنه يقتضي أنه لا يقتل ذو عهد في عهده بأي كافر، سواء كان ذميًّا أو حربيًّا، وهذا غير صحيح؛ لأن المعاهد لا يقتل بقتله الكافر الحربي فقط، أما إذا قتل ذميًّا مثله فإنه يقتل به باتفاق؛ ولذلك قالوا: إن المعطوف هنا خصص بدليل آخر؛ وعليه فيجب عندهم تخصيص المعطوف عليه أيضًا للمساواة بينهما فلا يقتل مؤمن بكافر حربي فقط، ويقتل بالذمي. راجع في هذه المسألة: المحصول للرازي (2/ 388)، ط. مؤسسة الرسالة - بيروت، بتحقيق الدكتور/ طه جابر العلواني، الطبعة الثانية سنة 1412 هـ، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (2/ 277 - 279)، ط. دار الكتاب العربي - بيروت، بتحقيق الدكتور/ سيد الجميلي، الطبعة الأولى سنة 1404 هـ، نهاية السول شرح منهاج الوصول للإسنوي (2/ 135)، ط. محمد علي صبيح بالقاهرة، التحبير للمرداوي (5/ 2451 - 2456)، شرح الكوكب المنير (3/ 263 - 265).
وقد أخذ بعض الباحثين على المصنف هنا أنه أشار إلى الحديث دون ذكره، ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنه جعل هذا الكتاب مختصرًا مجردًا عن الدليل والتعليل، كما ذكر في مقدمته، فهو متن لا إسهاب فيه، كما أن الحديث معروف، والخلاف فيه مشهور بين الأصوليين.

الصفحة 217