وسَنَّ رسولُ الله الوضوءَ كما أَنْزَلَ اللهُ: فَغَسَلَ وَجْهه ويَدَيْه إلى المِرْفَقَيْن، ومسح بِرَأسه، وغسَلَ رِجْليه إلى الكَعْبَيْن.
أخْبَرَنا "عبد العزيز بن محمد" عن "زيد بن أسْلَمَ" عن "عطاء بن يَسَارٍ" عن "ابن عباس" عن النبي: " أنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً " (١) .
أخْبَرنا "مالك عن عمرو بن يحيى" عن أبيه، أنه قال "لعبد الله بن زيد"، وهو جد "عمرو بن يحيى": " هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ ⦗١٦٣⦘ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ "عَبْدُ اللهِ": نَعَمْ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إلَى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاه، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ " (٢) .
⦗١٦٤⦘ فَكان ظاهِرُ قولِ الله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) ، أقلَّ ما وَقع عليه اسم الغَسْل، وذلك مَرَّةٌ، واحْتَملَ أكثرَ.
فسَنَّ رسولُ الله الوُضوءَ مَرَّةً، فَوافَقَ ذلك ظاهرَ القُرَآن، وذلك أقلُّ ما يَقع عليه اسمُ الغَسْل، واحتمل أكثر، وسنَّهُ مَرَّتَيْن وثلاثاً.
فلمَّا سنَّهُ مرة استدللنا على أنَّه لوْ كانتْ مرَّةٌ لا تُجْزِئ: لم يتوضأْ مرةً ويُصَلي، وأنَّ ما جاوَزَ مرةً اخْتِيَارٌ، لا فرضٌ في الوضوء لا يجزئ أقلُّ مِنْه.
⦗١٦٥⦘ وهذا مثلُ ما ذكرتُ مِن الفرائض قَبْله: لو تُرِك الحديث فيه اسْتُغْنِيَ فيه بالكتاب، وحين حُكِيَ الحديثُ فيه دلَّ على اتباعِ الحديث كتابَ الله.
ولعلَّهم إنما حَكَوُا الحديثَ فيه لأنَّ أكثرَ ما تَوَضَّأَ رسولُ الله ثلاثاً، فأرادوا أن الوضوءَ ثلاثاً اختيارٌ، لا أنه واجبٌ لا يجزئُ أقلُّ منه، ولما ذُكِرَ منه في أنَّ " مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوءَه هَذَا - وَكَانَ ثَلاَثاً - ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا، غُفِرَ لَهُ " (٣) ؛ فأرادوا طَلَبَ الفَضْل في الزيادة في الوضوء، وكانتْ الزيادةُ فيه نافِلَةً.
وغَسَلَ رَسُولُ الله في الوضوء المِرْفَقَيْنِ والكَعْبَين، وكانت الآية محتملةً أن يكونا مَغْسولين وأن يَكُونَ مغْسولاً إليهما، ولا يكونان مغسولَيْن، ولعلهم حَكَوا الحديثَ إبانَةً لهذا أيضاً.
وأشْبَهُ الأمريْن بظاهر الآية أن يكونا مغسولَيْن.
⦗١٦٦⦘ وهذا بيانُ السُّنَّة مع بَيانِ القُرَآن.
وسَوَاءٌ البيانُ في هذا وفيما قَبْله، ومُسْتَغْنىً بِفرْضه بالقُرَآن عند أهْل العلْم، ومُخْتلِفان عند غيْرِهم.
---------------
(١) الترمذي: كتاب الطهارة/٤٠؛ النسائي: كتاب الطهارة/٧٩؛ أبو داود: كتاب الطهارة/١١٩؛ابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها/٤٠٤؛أحمد: مسند العشرة المبشرين/١٤٤.
(٢) النسائي: كتاب الطهارة/٩٦؛ أبو داود: كتاب الطهارة/١٠٣؛ ابن ماجه: كتاب الطهارة وسننها/٤٢٨؛ أحمد: مسند المدنيين/١٥٨٣٦؛ مالك: كتاب الطهارة/٢٩.
(٣) البخاري: كتاب الوضوء/١٥٥؛ مسلم: كتاب الطهارة/٣٣٢؛ النسائي: كناب الطهارة/٨٣؛ أبو داود: كتاب الطهارة.