وذكرتُ له تحريمَ النبيِّ كلَّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ، وقدْ قال الله: " قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ، أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) " [الأنعام] ، ثم سَمَّى ما حَرَّمَ.
فقال: فما معنى هذا؟
قلنا: معناه: قل لا أجد فيما يوُحَى إلَيَّ مُحَرَّمًا مما كنتم تأكلون إلا أن يكون مَيْتَةً وما ذُكِر بعدها، فأما ما تَرَكْتم أنكم لم تَعُدُّوه مِن الطَّيِّبات فلم يُحَرِّم عليكم مما كنتم تستحلون إلا ما سَمَّى اللهُ، ودلت السنةُ على أنه حرَّم عليكم منه ما كنتم تُحَرِّمون، لِقول الله: " وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ (١٥٧) " [الأعراف] .
⦗٢٣٢⦘ قال: وذكرتُ له قولَ الله: " وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٢٧٥) " [البقرة] ، وقولَه: " لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (٢٩) " [النساء] ، ثم حَرَّم رسولُ الله بيوعاً، منها الدنانيرُ بالدَّراهم إلى أجلٍ، وغيرُها: فحرَّمَها المُسْلِمون بتحريم رسولِ اللهِ، فليس هذا ولا غيره خلافاً لكتاب الله.
قال: فَحُدَّ لي معنى هذا بأجْمَعَ منه وأخْصَرَ.
فقلتُ له: لَمَّا كان في كتاب الله دِلالة على أنَّ الله قد وضَعَ رسولَه مَوْضع الإبانَةِ عنه، وفَرَض على خَلْقِه اتِّباعَ أمره، فقال: " وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٢٧٥) " [البقرة] ، فإنما يعْني: أحَلَّ اللهُ البيْعَ إذا كان على غير ما نهى الله عنه في كتابه أو على لسان نبيه، وكذلك قوله: " وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ (٢٤) [النساء] ، بما أحَلَّه اللهُ به ⦗٢٣٣⦘ مِن النكاح ومِلْك اليمين في كتابه، لا أنه أباحَهُ بكلِّ وجهٍ، وهذا كلام عربي.
وقلت له: لوْ جازَ أنْ تُتْرَكُ سنةٌ مما ذهب إليه من جَهِلَ مكانَ السنَنِ مِن الكتاب، تُرك ما وصفْنا مِن المسح على الخُفَّيْنِ، وإباحَةُ كلِّ ما لَزِمه اسمُ بيْعٍ، وإحلالُ أنْ يُجْمَعَ بين المرْأَةِ وعَمَّتها وخالتها، وإباحةُ كلِّ ذي نابٍ مِن السِّباع، وغيرُ ذلك.
ولَجاز أن يقال: سنَّ النبيُّ ألاَّ يُقْطَعَ مَن لمْ تبلغ سرِقَتُه ربعَ دينارٍ قبْلَ التَّنْزيلِ، ثم نَزَل عليه: " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (٣٨) " [المائدة] ، فمن لزِمه اسمُ سَرِقةٍ قُطِعَ.
ولجاز أن يقال: إنما سن النبي الرجمَ على الثَّيِّب حتى نزلتْ عليه: " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ ⦗٢٣٤⦘ جَلْدَةٍ (٢) " [النور] ، فيُجْلَد البِكرُ والثيبُ، ولا نرْجُمُهُ.
وأن يقال في البيوع التي حرَّم رسولُ الله: إنما حرَّمَها قبْل التنزيل، فلما أُنْزِلتْ: " وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (٢٧٥) [البقرة] ، كانت حَلالاً.
والرِّبا: أن يكونَ للرَّجُل على الرجلِ الدَّيْنُ فَيَحِلُّ فيقولُ: أَتَقْضِي أمْ تَرْبِي؟ فيُؤَخِّرُ عنه ويزيده في ماله. وأشباهٌ لهذا كثيرةٌ.
فمن قال هذا كان مُعَطِّلاً لِعَامَّة سنَنِ رسولِ الله، وهذا القولُ جَهْلٌ مِمَّنْ قاله.
قال: أجَلْ.
وسنةُ رسولِ الله كما وصفْتُ، ومَنْ خالفَ ما قلْتُ فيها فقد جمَعَ الجْهَل بالسنة والخَطَأَ في الكلام فيما يَجْهَلُ.