وجه آخر.
أخبرنا "مالك" عن "ابن شهاب" عن "أنس بن مالك": " أنَّ النَّبِيَّ رَكِبَ فَرَسًا، فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ (١) ، فَصَلَّى صَلاَةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَصَلَّيْنَا وَرَاءَه قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قال: إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ⦗٢٥٢⦘ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ " (٢) .
أخبرنا "مالك" عن "هشام بن عُرْوة" عن أبيه، عن "عائشة"، أنها قالتْ: " صَلَّى رَسُولُ اللهِ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَه قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ: أنْ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا " (٣) .
قال: وهذا مثل حديث "أنس"، وإنْ كان حديث "أنس" مُفَسَّرًا وأوْضَحَ مِن تَفْسيرِ هذا.
أخبرنا "مالك" عن "هشام بن عروة" عن أبيه: " أنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ فِي مَرَضِهِ، فَأَتَى "أبَا بكر" وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَاسْتَأْخَرَ "أبو بكر"، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ أَنْ كَمَا أَنْتَ، ⦗٢٥٣⦘ فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ إِلَى جَنْبِ "أبي بكر"، فَكَانَ "أبو بكر" يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ، وَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ "أبي بكر" " (٤) .
وبه يأخذ "الشافعي".
قال: وذَكَرَ "إبراهيم النَّخَعِيُّ" عن "الأسود بن يزيد" عن "عائشة" عن رسول الله "وأبي بكر" مِثْل معنى حديث عروة: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى قَاعِدًا، و"أَبُو بَكْرٍ" قَائِمًا،، يُصَلِّي بِصَلاَةِ النَّبِيِّ، وَهُمْ وَرَاءَه قِيَامًا " (٥) .
⦗٢٥٤⦘ قال: فلما كانتْ صلاة النبي في مرضه الذي مات فيه، قاعِداً والناس خلفه قياماً، استدللنا على أنَّ أمرَه الناسَ بِالجُلوس في سَقْطَته عن الفرس: قبل مرضه الذي مات فيه، فكانت صلاته في مرضه الذي مات فيه، قاعداً والناس خلفه قياماً: ناسخةً، لأنْ يجلسَ الناس بجلوس الإمام.
وكان في ذلك دليلٌ بما جاءت به السنة وأجمع عليه ⦗٢٥٥⦘ الناس، مِن أن الصلاة قائماً إذا أطاقها المُصَلِّي، وقاعداً إذا لم يُطق، وأنْ ليس للمطيق القيامَ مُنفرداً أنْ يُصَلِّيَ قاعداً.
فكانت سنةُ النبي أنْ صلَّى في مَرَضه قاعداً ومَنْ خلْفه قِياماً، مع أنها ناسخة لِسنته الأُولَى قبْلها: مُوافِقةً سنتَه في الصحيح والمريض، وإجماعَ الناس أنْ يُصلي كلُّ واحد مِنهما فرْضَه، كما يُصلي المريضُ خلْفَ الإمام الصحيح قاعدا والإمام قائماً.
وهكذا نقول: يصلي الإمامُ جالِساً ومَنْ خلْفه مِن الأصِحَّاء قِياماً، فيُصَلي كلُّ واحِد فرْضَه، ولوْ وَكَّلَ غَيْرَه كان حَسَنًا.
---------------
(١) أي: انْخَدَشَ جِلْده [النهاية - ابن الأثير] .
(٢) البخاري: كتاب الأذان/٦٤٨؛ مسلم: كتاب الصلاة/٦٢٢؛ النسائي: كتاب الإمامة/٨٢٣؛ أبو داود: كتاب الصلاة/٥٠٩؛ ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/١٢٢٨؛ مالك: كتاب النداء للصلاة/٢٨٠.
(٣) البخاري: كتاب الأذان/٦٤٧؛ أحمد: مسند الأنصار/٢٣٩٩٤.
(٤) البخاري: كتاب الأذان/٦٤٢؛ مسلم: كتاب الصلاة/٦٣٥؛ ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها/١٢٢٣؛ مالك: كتاب النداء للصلاة/٢٨٢.