كتاب الرسالة للشافعي (اسم الجزء: 1)

قال "الشافعي": فقال: فأنَّى تَرَى الروايةَ اختلفَتْ فيه عَن النبي؟ فرَوَى "ابن مسعود" خِلافَ هذا، ورَوَى "أبو موسى" خِلاف هذا، و"جابِرٌ" خلاف هذا، وكلُّها قد يُخالِف بعضُها بعْضاً في شيء مِنْ لفْظِه، ثم علَّمَ "عمر" خلاف هذا كلِّه في بعض لفظه، ⦗٢٧١⦘ وكذلك تشهُّدُ عائشة، وكذلك تشهد "ابن عمر"، ليس فيها شيء إلا في لفظه شيء غيرُ ما في لفْظ صاحبِه، وقد يزيدُ بعضُها الشيءَ على بَعْضٍ.
فقلت له: الأمرُ في هذا بَيِّنٌ.
قال: فأبِنْهُ لي.
قلت: كلٌّ كلامٌ أريدَ به تعْظيمُ الله، فعَلَّمَهُمْ رسولُ الله، فلعلَّه جَعَلَ يعلِّمُه الرجلَ فيحفَظُهُ، والآخرَ فيحفظه، ⦗٢٧٢⦘ وما أُخذ حفظاً فأكثرُ ما يُحْترس فيه منه إحالةُ المعنى، فلم تكن فيه زيادة ولا نقصٌ ولا اختلافُ شيء مِن كلامه يُحِيل المعنى فلا تَسَعُ إحالتُه.
فلعل النبي أجاز لِكل امرئٍ منهم كما حَفِظَ، إذ كان لا معنى فيه يحيل شيئاً عن حكمه، ولعل من اختلفت روايته واختلف تشهده إنما توسَّعوا فيه فقالوا على ما حفِظوا، وعلى ما حَضَرَهُم وأُجِيزَ لهم.
قال: أفَتَجِدُ شيئا يدلُّ على إجازة ما وصفْتَ؟
فقلت: نعم.
قال: وما هو؟
⦗٢٧٣⦘ قلت: أخبرنا "مالك" عن "ابن شهاب" عن "عروة" عن "عبد الرحمن بن عبدٍ القارِيِّ" قال: سمعت "عمر بن الخطاب" يقول: " سَمِعْتُ "هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ" يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أعْجَلُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ (١) فَجِئْتُ بِهِ إلَى النَّبِيِّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: اقْرَأْ، فَقَرَأَ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إنَّ هَذَا القُرَآن أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ " (٢) .
⦗٢٧٤⦘ قال: فإذ كان الله لِرَأْفته بخلْقِه أنزل كتابَه على سبْعة أحْرف، معرفةً منه بأنَّ الحفْظَ قدْ يَزِلُّ، لِيُحِلَّ لهم قراءته وإنْ اختلف اللفظُ فيه، ما لم يكن في اختلافهم إحالةُ معنى: كان ما سِوَى كتابِ الله أوْلَى أنْ يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُحِلْ معْناه.
وكل ما لم يكن فيه حُكْمٌ، فاختلاف اللفظ فيه لا يحيل معناه.
⦗٢٧٥⦘ وقد قال بعضُ التابعين: لَقِيتُ أُناساً مِن أصحاب رسول الله، فاجتمعوا في المعنى واختلفوا عليَّ في اللفظ، فقلْتُ لبعضهم ذلك، فقالَ: لا بأس ما لمْ يُحِيلُِ (٣) المعنى.
---------------
(١) لَبَّبْتُهُ: أخذتُ مِن ثيابه، ما يقع على اللُّبة، وهي المَنْحَر [المصباح المنير - الفيومي] .
(٢) البخاري: كتاب الخصومات/٢٢٤١؛ مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها/١٣٥٤؛ الترمذي: كتاب القراءات/٢٨٢٧؛ النسائي: كتاب الافتتاح/٩٢٨.
(٣) هكذا هو بالياء على صورة المرفوع ويجوز رفعُه على إهمال (لم) كما هي لغة قومٍ، وكسرُه تخلصاً من التقاء الساكنين والياء إشباع لحركة الحاء.

الصفحة 270