النهي عن معنى يُشْبِه الذي قبلَه في شيء ويفارقه في شيء غيره
أخبرنا "مالك" عن "محمد بن يحيى بن حَبَّان" عن "الأعرج" عن "أبي هريرة": " أنَّ رَسُولَ اللهِ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ " (١) .
أخبرنا "مالك" عن "نافع" عن "ابن عمر" أن رسول الله قال: ⦗٣١٧⦘ " لاَ يَتَحَرَّى (٢) أَحَدُكُمْ بِصَلاَتِهِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا " (٣) .
أخبرنا "مالك" عن "زيد بن أسلم" عن "عطاء بن يسار" عن "عبد الله الصُّنَابِحِيِّ"، أنَّ رسولَ الله قال: " إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ ⦗٣٢٠⦘ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرُبَتْ فَارَقَهَا، وَنَهَى رَسُولُ اللهِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ " (٤) .
فاحتمل النهي من رسول الله عن الصلاة في هذه الساعات معنيين:
- أحدهما: - وهو أعَمُّهما - أنْ تكون الصلوات كلها، واجِبها الذي نُسي ونيم عنه، وما لزم بوجه من الوجوه منها: مُحَرَّمًا في هذه الساعات، لا يكون لأحد أن يُصلي فيها، ولو صلى لم يؤدي (٥) ذلك عنه ما لزمه من الصلاة، كما يكون مَنْ قدَّم صلاةً قبْل دخول وقتها لم تُجْزي عنه.
⦗٣٢١⦘ واحتمل أن يكون أراد به بعض الصلاة دون بعض.
فوجدنا الصلاة تتفرق بوجهين: أحدهما: ما وجب منها فلم يكن لمسلم تركُه في وقته، ولو تركه كان عليه قَضَاهُ، والآخر: ما تقرب إلى الله بالتنقل فيه، وقد كان للمتنقل تركُه بلا قَضًا له عليه.
ووجدنا الواجب عليه منها يُفارق التَّطَوُّع في السَّفر إذا كان المرء راكباً، فيصلي المكتوبة بالأرض، لا يجزئه غيرُها، والنافلةَ راكباً مُتَوجهاً حيث شاء.
ومُفَرَّقان في الحضر والسفر، ولا يكون لِمَنْ أطاق ⦗٣٢٢⦘ القيامَ أن يصلي واجِبًا من الصَّلاة قاعداً، ويكون ذلك له في النافلة.
فلَمَّا احتمل المعنيين، وجب على أهل العلم أن لا يحملوها على خاصٍّ دون عامٍّ إلا بدِلالة، مِن سنة رسول الله، أو إجماع علماء المسلمين، الذين لا يمكن أنْ يُجْمِعُوا على خلاف سنةٍ له.
---------------
(١) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة/٥٥٣؛ مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها/١٣٦٦؛ مالك: كتاب النداء للصلاة/٤٦١.
(٢) هكذا هو بإثبات الألف وتكرر غير مرة نحوه وتمحّل الشرّاح في تأويله فعدوا (لا) نافية وهو غير سديد وقدّمنا توجيه نحوه في التعليق على ص ٢٧٥ وأنه إشباع للحركة قبل الحرف.
(٣) البخاري: كتاب مواقيت الصلاة/٥٥٠؛ مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها/١٣٦٩؛ مالك: كتاب النداء للصلاة/٤٦٠.
(٤) النسائي: كتاب المواقيت/٥٥٦؛ مالك: كتاب النداء للصلاة/٤٥٧.
(٥) هكذا ثبت بالياء وانظر التعليق على ص ٢٧٥