كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 17)

[وقال الخطيب: ] كان للشبلي في كلِّ جُمعةٍ [في الجامع] نظرةٌ وبعدها صَيحة، فصاح يومًا فتشوَّش مَن حوله، وكانت حَلْقتُه إلى جانب أبي عمران الأَشْيب، فقال الشّبلي: ما للناس؟ فقيل له: قد تَشوَّشوا من صَيحتك وحَرِد أبو عمران، فقام الشبلي وجاء إلى حَلْقة أبي عمران، فقام إليه وأجلسه إلى جانبه، فأراد بعضُ أصحاب أبي عمران أنْ يُسكِتَ الشبلي [ويبين للناس أنه جاهل]، فقال له: يا أبا بكر إذا اشتبه على المرأة دمُ الحيض بدم الاستحاضة كيف تصنع؟ فأجاب [الشبلي] بثمانية عشر جوابًا، فقام أبو عمران فقبَّل رأسَه وقال: يا أبا بكر أعرفُ اثني عشر جوابًا، وستةً ما سمعتُها قطُّ (¬1).
وقال الشبلي (¬2): مررتُ بالشام براهبٍ، فقلتُ: لمن تعبد؟ فقال: لعيسى، قلت: ولم؟ قال: لأنَّه أقام أربعين يومًا لم يأكل ولم يشرب [ولم ينم]، فقلت: استوفها مني (¬3)، وأقمتُ تحت صومعته أربعين يومًا لم آكل ولم أشرب ولم أنم، فنزل وأسلم.
وقال: [قال الشبلي: ] خرجتُ إلى الشام في قافلة، فخرج علينا قُطَّاع الطريق، فأخذوا المال، وقعدوا يأكلون السكر باللوز، ورئيسُهم جالس لا يأكل، فقلتُ له: لم لا تأكل؟ فقال: إنِّي صائمٌ، فقلتُ: تقطعُ الطريق، وتُخِيف السبيل، وتَسفِكُ الدَّم الحرام، وتأخذ المال، وتقول: إنِّي صائم؟ فقال: نعم، أجعلُ للصُّلح مَوضعًا.
ومضى زمانٌ، فحججتُ [سنةً]، فبينا أنا في الطَّواف إذا به يطوف مُحْرِمًا مُلَبيًا، فتأملتُه وقلتُ: أنت صاحبي في يوم كذا وكذا [وفي مكان كذا وكذا]؟ ، قال: نعم، قلتُ: ما الذي أوصلك إلى ها هنا؟ قال: ذاك الصَّوم الذي رأيت (¬4).
وحكى الحافظ ابن عساكر عن محمد بن عمر قال (¬5): كنتُ عند أبي بكر بن مُجاهد المقرئ، فجاء الشِّبلي، فقام إليه واعتنقه وقبَّل ما بين عينيه فقلت له: تفعل هذا وأنت وجميعُ أهل البلد يقولون: إنَّه مجنون، وأنت لا تقوم لعلي بن عيسى الوزير وتقوم
¬__________
(¬1) تاريخ بغداد 16/ 568.
(¬2) في (م ف م 1): وحكى السلمي عن الشبلي أنه قال، والمثبت من (خ) والخبر في مختصر تاريخ دمشق 28/ 168.
(¬3) في مختصر تاريخ دمشق: فقلت له: ومن يعمل ذلك يستحق العبادة له؟ قال نعم، فقلت: فاستوفها مني.
(¬4) مختصر تاريخ دمشق 28/ 169.
(¬5) في (خ): وقال محمد بن عمر، والمثبت من (ف م م 1)، والخبر في مختصر تاريخ دمشق 28/ 172، وبرواية أخرى في تاريخ بغداد 16/ 570.

الصفحة 237