كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 17)

فصل
وقد أثنى عليه العلماء والأئمة، [منهم أبو عبد الرَّحمن السُّلمي، والقُشيري، والخطيب، وابن خَميس في "المناقب"، وابن باكويه وغيرهم] وشَنَّع عليه أقوامٌ بألفاظ تقتضي الشَّطْح، منها أنَّهم قالوا عنه: إنَّه قال: كتبتُ الحديث والفقه أربعين سنةً حتى أسفَرَ الصُّبح، فجئتُ إلى كلِّ مَن كتبتُ عنه أُريد فِقْه الله فما كَلَّمني أحد.
وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: وقف عليّ بن مَهْدي على حَلْقة الشبلي وبيده مِحْبَرةٌ، فلمَّا رآها الشبلي أنشد: [من المتقارب]
تَسَرْبَلْتُ للحُزنِ ثَوبَ الغَرَق ... وهِمتُ (¬1) البلادَ لوَجْدِ القَلَقْ
وفيك هتكتُ قناعَ العزاء ... وعنك نَطَقْتُ لدى مَن نَطَقْ
إذا خاطَبوني بعلم الوَرَقْ ... بَرَزْتُ عليهم بعلم الخِرَقْ
وقال علي بن عَقيل: قال الشبلي: قال الله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)} [الضحى: 5] قال: يُشفِّع محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في أُمَّته، والله لا يرضى محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - وفي النار من أُمَّته أحد، ثم قال الشبلي: وأنا أشفَعُ بعده حتى لا يبقى في النار أحد (¬2).
وقال المصنف رحمه الله: جاء في الحديث أنَّ لكلِّ مؤمنٍ شفاعةً (¬3)، فإذا انتهت شفاعةُ الشافعين يقول الله: قد بقيت شفاعتي، لا يبقى في النار أحدٌ، يعني من المُوَحِّدين، وأدنى أحوال الشبلي أن يكونَ كآحاد المؤمنين.
وقال علي بن محمد بن أبي صابر الدَّلّال: وقفتُ على حَلْقة الشبلي في قُبَّة الشُّعراء بجامع المنصور والناسُ مُجتمعون عليه، فوقف في الحَلْقة غُلامٌ أمرد يُعرَف بابن مُسلم، لم يكن بالعراق أحسن وَجْهًا منه، فقال له الشبلي: تَنَحَّ، فلم يَبْرَح، فقال له:
¬__________
(¬1) في تلبيس إبليس 318: تسربلت للحرب ... وجبت.
(¬2) تلبيس إبليس 336، قال ابن عقيل عقبه: والدعوى الأولى على النبي - صلى الله عليه وسلم - كاذبة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرضى بعذاب الفجار، ودعواه بأنه من أهل الشفاعة في الكل وأنه يزيد على محمد - صلى الله عليه وسلم - كفر؛ لأن الإنسان متى قطع لنفسه بأنه من أهل الجنة كان من أهل النار، فكيف وهو يشهد لنفسه بأنه على مقام يزيد على مقام النبوة.
(¬3) أخرجه ابن النجار في تاريخه عن أنس - رضي الله عنه - كما في الجامع الصغير للسيوطي، ورمز لضعفه، انظر فيض القدير 1/ 500.

الصفحة 251