كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 17)

وهي ستُّ مئة بيت، فاشتهيتُ أن أحفَظَها لما فيها من مفاخر اليمن أهلي، فقلتُ: يا سيدي، ادفَعها إليَّ حتَّى أحفظَها، فدافَعَني، فألحَحْتُ عليه فقال: كأني بك تأخذُها فتحفَظُ منها خمسين بيتًا أو مئة بيتٍ ثم تَرمي بالكتاب فتُخْلِقَه عليَّ، فقلتُ: ادفعها إليَّ فدفعها، فدخلتُ الحُجْرَةَ فحفظتُها يومي وليلتي، ثم خرجتُ إليه غُدوةً فقال: كم حفظتَ منها؟ فقلتُ: الكلَّ، فقد رآني كذبتُه فقال: أنشدها من هاهنا، فأنشدتُه الجميع، فهاله حِفْظي، وضمَّني إليه، وقبَّل ما بين عينَيَّ وقال: بالله لا تُخبر بهذا أحدًا؛ فإنِّي أخاف عليك العين.
قال: وحفظتُ من شعر القدماء والمُحْدَثين مئتي قصيدة، [وكان أبي وشيوخنا بالشام يقولون: من حفظ للطائيين أربعين قصيدةً و] لم يقل الشِّعر فهو حمار في مِسْلاخ إنسان، فقلتُ الشعرَ وسنِّي دون العشرين سنة (¬1).
ذكر وفاته:
خرج إلى البصرة في ربيع الأول فتوفي بها، ودُفن في شارع المِرْبَد، وكان صَدوقًا ثقةً.

[القاسم بن] القاسم بن مَهْدي
أبو العباس، السَّيَّاري (¬2).
من أهل مرو، كتب الحديثَ الكثير، وتفقَّه، وكان شيخَ أهل مرو، وأولَ مَن تكلَّم عندهم في حقائق الأحوال.
قال: مَن حفظ قلبَه مع الله تعالى بالصِّدق أجرى الله الحكمةَ على لسانه.
وقال: ظلمُ الأطماع يَحجب أنوار المشاهدات.
وسئل عن قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29] فقال: إظهار غائبٍ وتغييبُ ظاهر.
¬__________
(¬1) تاريخ بغداد 13/ 553، وما بين حاصرتين منه.
(¬2) طبقات الصوفية 440، حلية الأولياء 10/ 380، الرسالة القشيرية 118، المنتظم 14/ 92، مناقب الأبرار 2/ 156، تاريخ الإسلام 7/ 784، السير 15/ 500 وما بين معكوفين منها كلها.

الصفحة 294