كتاب مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (اسم الجزء: 17)

بيان الخبر الناهي من إيراد الممرض على المصح
9784 - حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب (¬1)، [قال]: (¬2) أخبرني يونس عن ابن شهاب، أن أبا سلمة حدثه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا عدوى" (¬3)، ويحدث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يورد (¬4) مُمْرِضٌ (¬5) على مُصِحٍّ" (¬6).
قال أَبو سلمة: كان أَبو هريرة يحدثهما كليهما (¬7) عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم صمت أَبو هريرة بعد ذلك عن قوله: "لا عدوى"، وأقام على
-[493]- "أن لا يورد ممرض على مصح".
قال: فقال الحارث بن أبي ذباب (¬8) -وهو ابن عم أبي هريرة-: قد كنت أسمعك يا أبا هريرة، تحدثنا مع هذا الحديث حديثا آخر، قد سَكَتَّ (¬9) عنه، تقول: قال رسول الله: "لا عدوى"! فأبى أَبو هريرة ذلك، وقال: "لا يورد ممرض على مصح"؛ فَمَارَاهُ (¬10) الحارث في ذلك، حتى غضب أَبو هريرة؛ فرطن (¬11) بالحبشية، فقال للحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا، قال أَبو هريرة: إني قلت:
-[494]- أبيت (¬12). قال أَبو سلمة: ولعمري (¬13) لقد كان أَبو هريرة يحدثنا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا عدوى"، فلا أدري أَنَسِيَ أَبو هريرة، أم (¬14) نسخ (¬15)
-[495]- أحد القولين الآخر! (¬16).
¬_________
(¬1) ابن وهب هو موضع الالتقاء.
(¬2) من نسخة (ل).
(¬3) العدوى: اسم من الإعداد، كالرعوى والبقوى، من الإرعاء والإبقاء.
وهي: ما يعدي من جرب وغيره، وهي: مجاوزته من صاحبه إلى غيره.
انظر: الفائق (2/ 399)، ومختار الصحاح (ص 419).
(¬4) (لا يورد) -بكسر الراء، ومفعوله محذوف أي- لا يورد إبله المراض. شرح النووي (14/ 437).
(¬5) مُمرض -بضم أوله، وسكون ثانيه، وكسر الراء، وبعدها ضاد معجمة- هو الذي له إبل مراض. الفتح (10/ 242).
(¬6) مُصِح -بضم الميم، وكسر الصاد المهملة، بعدها مهملة-: من له إبل صحاح. الفتح (10/ 242).
(¬7) في الأصل ونسخة (ح): (كلاهما)، والتصويب من نسخة (ل).
(¬8) هو الحارث بن سعد بن أبي ذباب -بضم الذال المعجمة، وتخفيف الموحدة من تحت- الدوسي، الحجازي انظر: التاريخ الكبير (2/ 269، 270 / ترجمة 2427)، والجرح والتعديل (3/ 75/ ترجمة 349)، وتوضيح المشتبه (4/ 19).
(¬9) في الأصل ونسخة (هـ): بتخفيف التاء، وما أثبته من نسخة (ل) وصحيح مسلم.
(¬10) المراء: الجدال. والتماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشك والريبة، ويقال للمناظرة: مماراة؛ لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه، كما يمتري الحالب اللبن من الضرع.
النهاية في غريب الحديث (4/ 322).
(¬11) الرطانة -بفتح الراء وكسرها- والتراطن: كلام لا يفهمه الجمهور، وإنما هو مواضعة بين نفسين أو جماعة، والعرب تخص بها كلام العجم.
ورطن له وراطنه: كلمه بالأعجمية.
انظر: المجموع المغيث (1/ 773)، والفائق (2/ 106).
(¬12) يريد بذلك: أني لم أحدثك ما تقول. كذا بين ذلك راوي الحديث في الحديث الآتي برقم (9788).
(¬13) العَمْر، والعُمر واحد، لكن خص القسم بالعَمر دون العُمر.
واختلف في التلفظ بها، والاختيار أن يقال: إن إراد بها القسم منع، وإلا فلا، كما يجري على اللسان من الكلام مما لا يراد به حقيقة معناه.
انظر: المفردات للراغب الأصفهاني (347)، ومعجم المناهي اللفظية (ص 277 - 279).
(¬14) في نسخة (ل): (أو).
(¬15) الحديثان صحيحان، ولا نسخ ولا تعارض بينهما بحمد الله، بل كل منهما له وجه.
قال ابن القيم: وذهب إلى هذا قبله وبعده أئمة الإسلام، كابن قتيبة، والطحاوي، وابن عبد البر، والنووي، وابن حجر، وغيرهم.
وذكروا أوجها عدة للجمع بين الحديثين، أكثرها قربا -في نظري- ما قاله النووي: (أن حديث: "لا عدوى"، المراد به نفي ما كانت الجاهلية تزعمه وتعتقده، أن المرض والعاهة تعدي بطبعها لا بفعل الله تعالى.
وأما الحديث: "لا يورد ممرض على مصح، فأرشد فيه إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة، بفعل الله تعالى وقدره، فنفى في الحديث الأول العدوى بطبعها، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدر الله تعالى وفعله. وأرشد في الثاني إلى الاحتراز مما يحصل عنده الضرر، بفعل الله وإرادته وقدره. فهذا الذي ذكرناه من =
-[495]- = تصحيح الحديثين، والجمع بينهما هو الصواب الذي عليه جمهور العلماء، ويتعين المصير إليه) اهـ.
انظر: تأويل مختلف (69 - 71)، وشرح معاني الآثار (4/ 310)، وشرح النووي (14/ 433، 434)، ومفتاح السعادة (2/ 264 - 270)، والعدوى بين الطب وحديث المصطفى (52 - 58).
(¬16) أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر (4/ 1743، 1744/ حديث رقم 104).
وأخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الطب، باب لا هامة (10/ 241 / حديث رقم 5771)، وطرفه في (5774).

الصفحة 492