كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 17)

التَّاسِعَةُ- وَيَلْزَمُ الظِّهَارُ قَبْلَ النِّكَاحِ إِذَا نَكَحَ الَّتِي ظَاهَرَ مِنْهَا عِنْدَ مَالِكٍ. وَلَا يَلْزَمُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (مِنْ نِسائِهِمْ) وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ. وَقَدْ مَضَى أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي سُورَةِ (بَرَاءَةٌ) عِنْدَ
قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ) «1» الْآيَةَ. الْعَاشِرَةُ- الذِّمِّيُّ لَا يَلْزَمُ ظِهَارُهُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَصِحُّ ظِهَارُ الذِّمِّيِّ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: (مِنْكُمْ) يَعْنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا يَقْتَضِي خُرُوجَ الذِّمِّيِّ مِنَ الْخِطَابِ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ. قُلْنَا: هُوَ اسْتِدْلَالٌ بِالِاشْتِقَاقِ وَالْمَعْنَى، فَإِنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ فَاسِدَةٌ مُسْتَحِقَّةٌ الْفَسْخَ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمُ طَلَاقٍ وَلَا ظِهَارٍ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ»
مِنْكُمْ) وَإِذَا خَلَتِ الْأَنْكِحَةُ عَنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ، وَلَا ظِهَارَ فِي النِّكَاحِ الفاسد بحال. الحادية عشرة قوله تعالى: (مِنْكُمْ) يَقْتَضِي صِحَّةَ ظِهَارِ الْعَبْدِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَهُ. وَحَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْكَامُ النِّكَاحِ فِي حَقِّهِ ثَابِتَةٌ وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْعِتْقُ وَالْإِطْعَامُ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الصِّيَامِ. الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ- وَقَالَ مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ تَظَاهُرٌ، وَإِنَّمَا قال الله تعالى: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ وَلَمْ يَقُلِ اللَّائِي يَظَّهَّرْنَ مِنْكُنَّ مِنْ أَزْوَاجِهِنَّ، إِنَّمَا الظِّهَارُ عَلَى الرِّجَالِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَرَبِيعَةَ وَأَبِي الزِّنَادِ. وَهُوَ صَحِيحٌ مَعْنًى، لِأَنَّ الْحَلَّ وَالْعَقْدَ [وَالتَّحْلِيلَ وَالتَّحْرِيمَ «3»] فِي النِّكَاحِ بِيَدِ الرِّجَالِ لَيْسَ بيد المرأة منه شي وَهَذَا إِجْمَاعٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ ظِهَارٌ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: هِيَ مُظَاهَرَةٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: لَيْسَ ظِهَارُ الْمَرْأَةِ مِنَ الرَّجُلِ بِشَيْءٍ قَبْلَ النِّكَاحِ كَانَ أَوْ بَعْدَهُ. وقال الشافعي: لإظهار لِلْمَرْأَةِ مِنَ الرَّجُلِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا قَالَتِ المرأة لزوجها، أنت علي كظهر أمي «4»
__________
(1). راجع ج 8 ص 210.
(2). راجع ج 18 ص 157.
(3). الزيادة من ابن العربي.
(4). لفظ (أمي) ساقط من ح، ز، س، هـ.

الصفحة 276