كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 17)

قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً) الْعَامِلُ في يوم قوله: (لَواقِعٌ) أَيْ يَقَعُ الْعَذَابُ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي تَمُورُ فِيهِ السَّمَاءُ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: مَارَ الشَّيْءُ يَمُورُ مَوْرًا، أَيْ تَحَرَّكَ وَجَاءَ وَذَهَبَ كَمَا تَتَكَفَّأُ النَّخْلَةُ الْعَيْدَانَةُ، أَيِ الطَّوِيلَةُ، وَالتَّمَوُّرُ مِثْلُهُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَمُوجُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ. مُجَاهِدٌ: تَدُورُ دَوْرًا. أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَخْفَشُ: تَكَفَّأَ، وَأَنْشَدَ لِلْأَعْشَى:
كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا ... مَوْرُ السَّحَابَةِ لَا رَيْثٌ وَلَا عَجَلٌ
وَقِيلَ تَجْرِي جَرْيًا. وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
وَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُورُ دِمَاؤُهَا ... بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ «1»
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَمُورُ السَّمَاءُ يَوْمَئِذٍ بِمَا فِيهَا وَتَضْطَرِبُ. وَقِيلَ: يَدُورُ أَهْلُهَا فِيهَا وَيَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ. وَالْمَوْرُ أَيْضًا الطَّرِيقُ. وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
... فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ «2»

وَالْمَوْرُ الْمَوْجُ. وَنَاقَةٌ مَوَّارَةُ الْيَدِ أَيْ سَرِيعَةٌ. وَالْبَعِيرُ يَمُورُ عَضُدَاهُ إِذَا تَرَدَّدَا فِي عَرْضِ جَنْبِهِ، قَالَ الشَّاعِرُ:
عَلَى ظَهْرِ مَوَّارِ الْمِلَاطِ حِصَانِ

الْمِلَاطُ الْجَنْبُ. وَقَوْلُهُمْ: لَا أَدْرِي أَغَارَ أَمْ مَارَ، أَيْ أَتَى غَوْرًا أَمْ دَارَ فَرَجَعَ إِلَى نَجْدٍ. وَالْمُورُ بِالضَّمِّ الْغُبَارُ بالريح. وقيل: إن السماء ها هنا الْفَلَكُ وَمَوْرُهُ اضْطِرَابُ نَظْمِهِ وَاخْتِلَافُ سَيْرِهِ، قَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. (وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً) قَالَ مُقَاتِلٌ: تَسِيرُ عَنْ أَمَاكِنِهَا حَتَّى تَسْتَوِيَ بِالْأَرْضِ. وَقِيلَ: تَسِيرُ كَسَيْرِ السَّحَابِ الْيَوْمَ فِي الدُّنْيَا، بَيَانُهُ (وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ) «3». وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي (الْكَهْفِ) «4». (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ)
__________
(1). الاشكل: ما فيه بياض وحمرة.
(2). البيت من معلقته وتمامه:
تبارى عتاقا ناجيات أتبعت ... وظيفا فوق مور معبد
تبارى: تعارض. والعتاق: النوق الكرام. والناجيات: السريعات. والوظيف: عظم الساق. والمعبد: المذلل.
(3). راجع ج 13 ص (242)
(4). راجع ج 10 ص 416

الصفحة 63