إخباره بتأويل ذلك دليل على أن أفعال الأنبياء وأقوالهم ينبغي أن تعرف معانيها، ووجه ما صنعت له، لمعنى قوله: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: 67] أي: إنك سترى ما ظاهره منكر، ولا تصبر عليه؛ لأن الأنبياء والصالحين لا يصبرون على ذلك.
وقوله: (وكَانَتِ الوُسْطَى شَرْطًا) يريد {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي} [الكهف: 76] وقوله: {وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} [الكهف: 73] أي: لا تلحق بي عسرًا من رهقه الشيء إذا غشيه، وقيل: لا تعجلني، وقيل: لا تضيق علي و [تشدد] (¬1).
وقوله تعالى: {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] أي: يسقط بسرعة، وروي: (ينقاص) بصاد غير معجمة (¬2)، وقرأه ابن عباس: (أمامهم) (¬3) وقرأه الجماعة {وَرَاءَهُمْ} قيل: المعنى واحد، وقيل: هو بمعنى: خلف على بابه، كأنه على طريقهم إذا رجعوا، والأول أولى لتفسيره في قراءة ابن عباس، واللغة تجوزه؛ لأن ما يوارى عنك فهو وراء، وإن كان أمامك، وقد اختلف فيه: هل هو من الأضداد؟ فقال أبو عبيدة وقطرب والأزهري وابن فارس، وغيرهم: نعم (¬4).
وقال الفراء (¬5) وأحمد بن يحيى: أمام ضد وراء، دائمًا يكون من الأضداد في الأماكن، والأوقات، يقول الرجل: إذا وعد وعدًا في
¬__________
(¬1) غير واضحة بالأصل، وأثبتناها من "تفسير ابن كثير" 9/ 173.
(¬2) انظر: "مختصر شواذ القرآن" ص (84).
(¬3) "تفسير الطبري" 8/ 264 (23241).
(¬4) انظر: "الأضداد" للأنباري ص 68، "تهذيب اللغة" 4/ 3878، "مجمل اللغة" 4/ 923.
(¬5) انظر: "معاني القرآن" 2/ 157.