كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 17)

أما الحديث الأول فالكلام عليه من وجوه:
أحدها: العسيف فيه: الأجير وجمعه: عسفاء، ذكره الأزهري (¬1)، وعسفه على غير قياس، ذكره ابن سيده، وهو الأجير المستهان منه، وقيل: هو المملوك المستهان به. وقيل: كل خادم عسيف (¬2).
ثانيها: قوله: (ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ العِلْمِ) يؤخذ منه سؤال المفضول مع وجود الفاضل إذ لم ينكره - عليه السلام -، قيل: والذين كانوا يفتون في عصره - عليه السلام - الخلفاء الأربعة، وثلاثة من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت.
ثالثها: قوله: ("لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ") أي: إنك الجدير بأن تقضي به، أو فإنك لم تزل تقضي به، أو فإنك القاضي به، ومثله قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالحَقِّ} [الأنبياء: 112] والمراد بكتاب الله أي: بحكمه؛ إذ ليس في الكتاب ذكر الرجم، وقد جاء الكتاب بمعنى الفرض.
قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ} [البقرة: 178] أي: فرض، وقال: {كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ} [النساء: 24] ويحتمل أن يكون فُرض أولًا بالنص ثم نسخ لفظه دون حكمه على ما روي عن عمر أنه قال: قرأناها فيما أنزل الله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة (¬3)، وقيل: الرجم متلو في القرآن غير منسوخ لفظه، وهو قوله تعالى: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ} [النور: 8]
¬__________
(¬1) "تهذيب اللغة" 3/ 435 مادة: (عسف).
(¬2) "المحكم" 1/ 310 مادة (عسف).
(¬3) رواه النسائي في "الكبرى" 4/ 270 (7146)، وابن ماجه (2553)، ومالك في "الموطأ" ص 514 - 515.

الصفحة 29