والثلاث لا غير، ثم قال: وهذا بعيد مع فتح الباب؛ فعدم الزيادة على الثلاث لا أصل له؛ فالوجه ألا يزيد على خصومة واحدة.
ورأيت فيما وقفت عليه من "الإشراف" أن [القاضي] أبا سعيد الإصطخري يجوز الدعاوى على رجال ولا يجوزها على رجل واحد، وهذا إن صح كان وجهاً [ثالثاً].
فرع: دخيل في هذا الباب: إذا استبق طلبة العلم، ينظر: فإن كان [ذلك] العلم مما لا يجب تعلمه، فالخيار إلى المعلم، وإن كان مما يجب تعلمه، فلو خصص أقواماً منهم، فهل يجوز له ذلك؟ فيه وجهان.
قال الإمام: والأولى المنع من التخصيص؛ فإنه لا يدري من المفلح، ومن المتحرج، فليقصد التعميم، فإن كان لا يتأتى الجمع في التعليم فعند ذلك يتبع السبق أو القرعة.
قال: ويسوي بين الخصمين، أي: وإن اختلفا في الشرف وغيره، والرق والحرية، في الدخول، أي: لا يدخل أحدهما قبل الآخر، والمجلس، أي: فلا يكون أحدهما أقرب إليه من الآخر، والإقبال عليهما، أي: فلا يبش في وجه أحدهما ولا يقطب، ولا يقوم لأحدهما ويترك الآخر، [بل] إما أن يقوم لهما أو يترك- كما قاله الشيخ أبو علي- والإنصات غليهما، أي: فلا يصغي لكلام أحدهما دون الآخر.
والأصل في ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} إلى قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [النساء: 135].
قال أبو عبيد في "أدب القضاء"- كما حكاه أبو الطيب-: نزلت هذه الآية في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي، فيلوي عن أحدهما، ويعرض للآخر، وروى عطاء عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنِ ابْتُلِيَ بِالقَضَاءِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَعْدِلْ بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ، وَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِمَّا