قال الماوردي: وهذه الطريقة مأخوذة من قول الشافعي- رضي الله عنه-: ولا يقبل التعديل إلا بأن يقول: [عدل] عليَّ ولي. والقائلون بهذه الطريقة يقولون: السؤال عن أسبابها استظهار، وإنه يجب أن يكون الشاهد بالتعديل إذا لم يذكر الأسباب من أهل الاجتهاد.
وقد ذهب آخرون من الأصحاب إلى وجوب السؤال عن أسبابها، ويكون الشاهد على هذا مؤدياً للأسباب، والقاضي هو الحاكم بالعدالة؛ وعلى هذه لا يشترط أن يكون الشاهد من أهل الاجتهاد، وقائلها يقول: استزادة القاضي أن يشهدوا أنه عدل لهم وعليهم، استخبار عن حكم العدالة، وليس بشرط في قبول الشهادة، فلا يجب على الشاهد ذكره. نعم، هل يجب على الحاكم الاستخبار عنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ كالشاهد؛ لأن الشهادة بأسباب العدالة تغني [عما سواها].
والثاني: نعم؛ للاحتياط.
قلت: ولو قيل باشتراط ذكر هذا على هذه الطريقة [أيضاً] لم يبعد؛ بناءً على التعليل الثاني في أصل المسألة؛ لأن أسباب العدالة صفات كمال في الشاهد، والعداوة والقرابة أسباب مانعة من قبول الشهادة، لا ينافيها ذكر صفات الكمال؛ فكان يجب التعرض لها كما في الطريقة الأولى.
تنبيه: شهادة الأب بتعديل الابن وبالعكس، هل تسمع؟ فيه خلاف حكيته عن البغوي وغيره من قبل، والذي جزم به الماوردي ها هنا، وتبعه في "البحر"، وكذا صاحب "الإبانة"، ورآه الغزالي أظهر- المنع، وقد يقال بإمكان أخذه من الخلاف الذي ذكره الشيخ ها هنا؛ لأن من اكتفى بقوله: هو عدل، [لم ينظر إلى كونه قريباً ترد شهادته له، ومن لم يكتف بذلك نظر إلى ذلك، لكن قد يقال: من اكتفى بقوله: هو عدلي، اكتفى به في ثبوت العدالة [ظاهراً والقاضي] من وراء الكشف عن القرابة وغيرها، كما حكيناه عن الإمام؛ فلا يظهر مع هذا أخذ الخلاف من ها هنا.