ثم اعلم أن القاضي وصاحب المسألة إن كان لا يعرف أن المزكي من أهل الخبرة الباطنة؛ بالشهود بعدالته، ولم يعرف حذقه ومعرفته، سأله كما فعل [عمر]- رضي الله عنه- لأنه قد يعتقد جواز البناء على الظاهر وتحسين الظن، فإذا بحث القاضي زال اللبس، وإن علم أن المزكي خبير به أو خبير بالتزكية، وقد ألف ذلك منه، وراجعه فيها، فوجده خبيراً بصيراً غير مكتف بالظاهر- فإذا أطلق التعديل قال الإمام: فالأصح أن القاضي لا يحتاج إلى مراجعة في إسناد تزكيته إلى الباطن، ومن أصحابنا من شرط هذه المراجعة في كل تزكية، تمسكاً بأثر عمر، رضي الله عنه. قال: وهذا غير سديد والأثر محمول على علم عمر بأن المعدل لم يكن خبيراً، إنما أخذ التعديل، وهذا بخلاف أصحاب المسألة إذا عدلوا عند القاضي واكتفينا بهم، كما هو الصحيح؛ فإنه لا يشترط أن يكونوا من أهل الخبرة.
قال الماوردي: ولا يجوز للحاكم أن يسألهم: من أين علمتم التعديل؟ وكذا الجرح إن عادوا به. وكلام ابن الصباغ قريب منه؛ فإنه قال: وليس للحاكم أن يقول كذا. ولفظ البندنيجي: أنه لا يسألهم: من أين تحملوا الشهادة، ولا عمن أخبرهم بذلك.
فرع: إذا سمع شخص [من أفواه الناس] دين شخص وأمانته وصلاحه، وشهد جماعة بأنه عدل، فهل يسوغ له تعديله، وليس هو من أهل الخبرة بحاله؟ قال القاضي الحسين: له ذلك إذا تكرر [ذلك] على سمعه من أفواه الناس مرة بعد أخرى في مقامات مختلفة تخرج عن حد التواطؤ، فأما [أن يشهد به] عدلان أو أكثر فلا؛ لأنه يحتمل التواطؤ [في ذلك].
قال: وإن عادوا بالجرح سقطت شهادتهم؛ لعدم الثقة بقولهم، وهذا ظاهر قول الإصطخري وغيره في أن المرجع في التعديل والجرح إلى شهادة أصحاب المسائل،