كتاب كفاية النبيه في شرح التنبيه (اسم الجزء: 18)

وقد ذكر الطبري مسألة أخرى، وهي أن يقول اثنان: إنه زنى أو سرق، ويقول آخران: إنه تاب وحسنت حاله.
قال: ولا يقبل الجرح إلا مفسراً، أي: لا يقبل إلا بعد ذكر سبب الجرح؛ لأن أسبابه مختلف فيها، فقد يظن الشاهد ما ليس بجرح عند القاضي جرحاً، مع أن الاعتبار فيه بما يراه القاضي.
قال الشافعي- رضي الله عنه- في "الأم": شهدت رجلاً صالحاً شهد على رجل عند رجل بالجرح، فقال له: بم جرحته؟ فامتنع من تفسيره، وقال مثلي لا يخفى عليه الشهادة المجرحة، فألح عليه، وقال: لا أقبل حتى تبين السبب، فقال: رأيته يبول قائماً يترشش البول على ثيابه ورجليه ويصلي فيها، فقال: رأيته فعل ذلك؟ فقال: أراه سيفعل ذلك؛ فأسقط شهادته.
فإذا فسر الشاهد السبب نظر فيه القاضي: فإن كان عنده سبباً- أيضاً- حكم به وأسقط الشهادة، وإلا توقف كما قال الماوردي، وهذا بخلاف التعديل؛ حيث لا يشترط ذكر أسبابه على المشهور، قال ابن الصباغ: لأن أسبابه تكثر، ولا يمكن ضبطها. وقال القاضي أبو الطيب: لأن أكثر ما فيه أن يذكر ما يفعل من الطاعات وأداء الفرائض على حسب ما شاهده، وقد يفعل ذلك كله ويفسق بمعصية يأتي بها سرّاً، وليس كذلك سبب الجرح؛ فإنه يمكن الإحاطة به؛ فلهذا وجب كشفه.
قال الأصحاب: وكشفه أن يقول: رأيته يزني- كما قال الإمام- أو يسرق، أو يغصب، أو يلوط، ونحو ذلك، أو: أقر عندي بالزنا، أو السرقة، أو سمعته يقذف أو يكذب أو يمشي بالنميمة، أو يقول ما يعتقده من البدع المستنكرة؛ كما قاله الماوردي، ونحو ذلك. وهذا الذي أراده الشافعي- رضي الله عنه- بقوله: لا أسمع الجرح إلا بالمشاهدة أو السماع.
وقال البندنيجي وابن الصباغ: إن هذا القول من الشافعي عائد إلى أصحاب المسائل؛ لأنه يحتاج أن يعلم منه ما يفوضه الحاكم إليه من ذلك؛ ليشهد به عنده، وإنما يصير [به] عالماً بأن يعلم ذلك مشاهدة أو سماعاً. وألحقا- وكذا الماوردي- بما ذكرناه

الصفحة 221