الإمام هاهنا: إنا إذا [جوزنا له أن يقضي] بعلمه، فذلك فيما يستيقنه لا ما يظنه، وإن غلب على الظن فإن الظنون لها مآخذ لا تستند إلى غيرها. وقوله في كتاب التفليس: ومن لطيف الكلام في ذلك: أن كل ما تستند الشهادة فيه إلى اليقين فلو علمه القاضي بنفسه اختلف القول في جواز قضائه بعلمه، ولو انتهى القاضي فيما لا علم [فيه] له على منتهى يشهد فيه، كالأصول التي ذكرناها- فلا يحل له القضاء، وإن كان يحل له أن يشهد بما أحاط به وظهر عنده، فليتأمل الناظر في هذا؛ فإنه من أسرار القضاء.
والذي ذكره من الأصول هي الشهادة على أنه لا مال له أو لا وارث له، والشهادة بالتعديل، والشهادة على الأملاك، وقد سئل الغزالي ذلك في قوله: ولا خلاف أنه لا يقضي بظنه الذي لا يستند إلى بينة.
لكن في كلام غيرهما ما ينازع في ذلك، قال الماوردي في كتاب اللقيط: إذا رأى [الشاهد] رجلاً يتصرف في دار مدة طويلة من غير معارضة جاز أن يشهد له بالملك على قول، كما يجوز للحاكم أن يحكم به، والحكم أوكد من الشهادة، والثاني: لا يجوز ذلك للشهود وإن جاز للحاكم؛ لأن للحاكم أن يجتهد، وليس للشهود أن يجتهدوا، وليس هذا إلا بناءً على جواز القضاء بالعلم، [وهو غير حاصل في هذه الصورة.
وكذلك صاحب "التهذيب" والأئمة- كما قال الرافعي- مثَّلوا القضاء بالعلم] الذي هو محل الخلاف: بما إذا ادعى عليه مالاً، وقد رآه القاضي أقرضه ذلك، أو سمع المدعى عليه أقر بذلك، قال [الرافعي]: ومعلوم أن رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد اليقين بثبوت الحكم به وقت القضاء؛ فدل ذلك على أن المراد من [القضاء] بالعلم: [ليس اليقين؛ بل الظن المؤكد].