[قلت: ولا شك في أن ما قاله الماوردي مخالف لما قالاه، فأما ما ذكره البغوي وغيره فقد يجاب عنه أن يقال: ما أسند القضاء إليه هو الإقرار والإقرار الذي هو السبب، ولاشك في أنهما معلومان؛ فلذلك نفذنا قضاء القاضي إذا كان ذلك مستنده في القضاء التعرف والتسامع ونحوهما؛ فإنه لم يستند إلى معلوم].
[قلت: وسيأتي ما يعضد ذلك.
وفي "أدب القضاء" لابن أبي الدم: أن في موضع من "النهاية": أن القاضي قال: هل يقضي القاضي بعلمه؟ فيه خلاف، فإن منعناه فهل يقضي بما علمه من أخبار التواتر؟ فيه خلاف مرتب على ما إذا علمه بالمشاهدة، وأولى بالجواز ها هنا؛ لأنه لا تهمة تلحقه فيما إذا علمه بأخبار التواتر، بخلاف علمه بغيرها؛ فإنه متهم].
الثاني: أنه لا فرق في جريان الخلاف بين أن يكون ما حصل له من العلم قبل ولايته أو بعدها في محل ولايته أو غيره، وهو ما صرح به القاضي أبو الطيب والحسين وغيرهما من الفريقين، لكن هذا اللفظ يشمل ما إذا كان العلم قد حصل في مجلس الحكم أو غيره، وعليه ينطبق ما حكاه الماوردي عن لفظ الشافعي- رضي الله عنه- في أدب القضاء من الأم، حيث قال: لا يجوز فيه- أي القضاء بالعلم- إلا واحد من قولين:
أحدهما: أنه له أن يقضي [بكل ما] علم قبل الولاية وبعدها في مجلس الحكم [وغيره من حقوق الآدميين.
والثاني: لا يقضي بشيء من علمه في مجلس الحكم وغيره] إلا أن يشهد شاهدان على مثل ما علم؛ فيكون علمه وجهله سواء.
وفي "النهاية" و"الإبانة": أنا إذا قلنا: لا يقضي بعلمه، فأقر شخص على رءوس الأشهاد- حكم عليه قولاً واحداً؛ فإن الإقرار في محل الحكم حجة ظاهرة، وقال الغزالي: إنه أقوى الحجج. وهذا وجه حكاه الماوردي عن الأكثرين، ومنهم الكرابيسي وابن سريج، مع وجه آخر موافق لمذهب مالك: أنه لا يقضي إذا أقر عنده