خصم إلا أن يشهد بإقراره شاهدان؛ كي لا يصير حاكماً بعلمه، وقد منعناه، وعلى هذا الوجه ينطبق ما حكيته عن البندنيجي وغيره عند قول الشيخ: والمستحب ألا يحكم إلا بمشهد من الشهود. وظاهر النص الذي حكيناه عن "الأم" يدل عليه أيضاً. نعم، الخلاف المشهور فيما إذا أقر عنده سرّاً، هل يحكم به وقد منعنا القضاء بالعلم؛ لأنه حجة، وجملة مجالس القضاء بمثابة مجلسه الذي يتصدى فيه [للقضاء]، هكذا وجه الإمام الجواز مع حكمه بتضعيفه، والتوجيه المذكور يعرفك أن المراد بالسر: ما إذا أقر من محل ولايته لا في مجلس الحكم، وقد أشار الماوردي إلى تلخيص محل الخلاف في الإقرار في مجلس الحكم في موضعين من "الحاوي":
أحدهما: في كتاب الأقضية حيث قال: إذا ادعى رجل على رجل حقّاً، فأجاب المدعى عليه بالإقرار قبل سؤال القاضي صار القاضي حاكماً فيه بعلمه، فإن منع من الحكم بالعلم لم يجز أن يحكم به عليه إلا أن يقر بعد سؤاله.
والثاني: في كتاب الإقرار حيث قال: لا يصح الإقرار إلا بأربعة شروط، الشرط الرابع [منها]: وهو المقر عنده، وهو من يصير الحق به محفوظاً، وهو أحد نفسين: إما حاكم ملزم، أو شاهد متحمل، فإن كان الإقرار عند حاكم، فمن شرطه: أن يكون بعد سماعه الدعوى عليه، فإن أقر قبل سماع الدعوى أو من غير دعوى، ففي صحة الإقرار لأصحابنا وجهان:
أحدهما: يصح، وحكاه ابن المنذر عن الشافعي، رضي الله عنه.
والثاني: لا يصح.
قال: ويشبه أن يكون اختلافهم في هذا مخرجاً من اختلاف قوليه: في أن الحاكم هل له أن يحكم بعلمه أم لا.
الثالث: أنه لا فرق فيما جرى الخلاف فيه بالقضاء بالعلم بين شيء وشيء، وقد قال العراقيون- كأبي الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم-: إنه يقضي في الجرح والتعديل بعلمه وجهاً واحداً، حتى قال الماوردي عند الكلام في البحث عن