وقال القاضي الحسين في "فتاويه": والحيلة فيما إذا أراد أن يقيم البينة على البراءة قبل الدعوى: أن ينصب مسخراً يدعي على من عليه الدين بأن لي على فلان كذا، أو أن له في ذمة هذا كذا، فَمُرْهُ يسلمه إليَّ، فيدعي من عليه الدين الإبراء منه ويقيم البينة عليه- فإن القاضي يسمعها، ويكتب له كتاباً إلى قاضي البلد الذي فيه رب الدين بسماع البينة، أو الحكم إن كان قد حكم.
قال: وإن لم [يكن له] بينة حلف المدعي؛ أي: عند طلب المدعى عليه يمينه إنه ما برئ [إليه] منه ولا قضاه، واستحق، أي: القبض؛ لأن ما ادعاه محتمل، واليمين تعتمد الاحتمال.
وهكذا الحكم فيما لو قامت عليه البينة بالدين، ولم يقض بها بعد، فادعى أنه برئ إليه منه، أو قضاه قبل إقامة البينة أو بعدها، وطلب يمينه عند الإنكار؛ لأن الحق في هذه الحالة يصير الحكم به بالإقرار لا بالبينة؛ لأنها تسقط بالإقرار قبل الحكم، وهذه الصيغة قد قررنا أنها تتضمن الإقرار، صرح به القاضي الحسين. نعم، لو كانت الدعوى بعد القضاء بالبينة نظر: فإن كانت دعوى القبض قال القاضي الحسين: فحق على القاضي ألا يصغي إلى قوله؛ لأن القضاء بشهادة الشهود ألزمه الحق، وإن كانت دعوى البراءة سمعت؛ لأنه ليس في ذلك تكذيب للشهود؛ لأنهم يشهدون على الظاهر.
قلت: وقياس هذه العلة أن تسمع دعوى القبض أيضاً.
ولو كان المدعى عليه قد أجاب المدعي بدعوى البراءة من المال، وقلنا بالصحيح: إنه يكون مقرّاً به، وكذبه المدعي، وطلب يمينه، قال الشافعي- رضي الله عنه-: يحلف بالله: إن هذا الحق- ويسميه تسمية يصير بها معلوماً- لثابت عليه، ما اقتضاه ولا شيئاً منه، ولا اقتضاه [من] مقتض بأمره ولا بغير أمره فوصل إليه، ولا أحال به ولا بشيء منه، [ولا أبرأه منه ولا من شيء منه. وزاد في "الأم": ولا كان منه ما يبرأ به من دينه ولا من شيء منه]. وعنى به صدور جناية أو إتلاف بقدر