ولو كان المدعَى عيناً، فقال المدعى عليه للمدعي: قد بعتها مني أو وهبتها، فكذبه، وأراد المدعى عليه إقامة البينة على ذلك- فعلى طريقة القاضي: تنزع العين من يده وتسلم للمدعي، ثم يقال للمدعى عليه: أثبت ما ادعيته واستردها.
وعن الصيدلاني وغيره: أن بينة الشراء لو كانت حاضرة لم تُزَل يده، فإن استحقاق المدعي في الحال لا يتحقق. نعم، لو كانت غائبة فقال: لا تزيلوا يدي وأمهلوني ثلاثة أيام لأقيم البينة، قال الإمام: فلا يمهله بلا خلاف.
قال: وإن ادعى على ميت، [أي]: ولا وارث له معين، أو غائب، أي: عن البلد إلى مسافة القصر، ولا وكيل له حاضر أو وصي، أي: لا نائب له، كما قيده الإمام، أو مستتر في البلد وله بينة- سمعها الحاكم؛ للإجماع.
[قال]: وحكم بها:
أما في الميت والصبي فبالاتفاق منا ومن الخصم- وهو أبو حنيفة- وفي معناهما المجنون، وكذا الأخرس الذي لا تفهم إشارته؛ كما ذكره في "الإشراف".
وأما في الغائب والمستتر؛ فلقوله- تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص: 26]، وما شهدت به البينة على الغائب والمستتر حق؛ فوجب الحكم به.
ولأن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان بن حرب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيْحٌ لَا يُعْطِيْنِي مَا يَكْفِيْنِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ سِرّاً، فَهَلْ عَلَيّ فِي ذَلِكَ مِنْ حَرَجٍ؟ [فَقَالَ لَهَا]: خُذِيْ مَا يَكْفِيْكِ [وَوَلَدَكِ] بِالْمَعْرُوْفِ"، وهذا قضاء منه صلى الله عليه وسلم على غائب؛ لأن أبا سفيان لم يحضر، ولم تكن فتوى؛ لأنه قال لها: "خذي"، ولو كان فتوى لقال [لها]: لا بأس عليك ونحوه. وقد قام علمه صلى الله عليه وسلم بأنها زوجته مقام البينة.