وقال الرافعي في باب الدعاوى والبينات: إنه يمكن بناء الوجهين على الوجهين في أن دعوى المدعى عليه بعد الحكم عليه الإبراء من الدين أو قبضه [منه] أو هبته العين المدعى [عليه] بها قبل شهادة الشهود بذلك، هل تسمع [كما يسمع قبل] حكم الحاكم عليه؟ فإن قلنا: تسمع دعواه بعد الحكم، فالتحليف مستحب، وإن قلنا: لا تسمع- كما هو الأصح في "التهذيب" فواجب؛ كي لا يفوت بالحكم عليه الدعوى، وبالتحليف أن لا تجعل الغيبة عذراً مانعاً من الفوات.
قلت: ولو صح هذا البناء للزم إذا حكم الحاكم بعد الاستخلاف، وقدم الغائب، وبلغ الصبي- ألا يكون على حجته، وقد اتفقوا على أنه على حجته.
ثم قال الإمام: وقد قال الأئمة: إن من ادعى على صبي أو مجنون أو ميت، ولا نائب لهم، فإذا أقام البينة فلا بد من التحليف؛ كما ذكرنا في القضاء على الغائب، والذي أراه: أن التردد الذي ذكره القاضي في أن اليمين احتياط أم وجوب، لا يجري في هذه المسائل؛ فإنا نتوقع من المدعى عليه إذا انتهى إليه كتاب القاضي إلى موضعه أن يدعي بنفسه، وهذا لا يتحقق في الصبي والميت والمجنون، وحكم نفوذ القضاء إيصال الحق إلى مستحقه، وعلى هذا جرى في "الوسيط"، وحينئذ فيحصل في المسائل طريقان في إيجاب التحليف أو استحبابه:
إحداهما: حكاية الخلاف في الجميع، وهي المذكورة في "تعليق" القاضي الحسين، والأصح منه- وبه جزم الماوردي والبندنيجي وغيرهما-: الوجوب.
والثانية: حكاية الخلاف في حق الغائب، وفي معناه: المستتر، والقطع بالوجوب فيمن عداهما، والله أعلم.
واعلم أن فيما ذكره الشيخ من كيفية التحليف نظراً؛ لأنا قدمنا في معنى قوله: برئت إليه مما يدعي، وجهين:
أحدهما: أنه بمعنى: قضيته، وعلى هذا لا ينبغي أن يكتفي بذلك، لأنه لا يلزم من كونه ما قضاه أن يكون مستحقّاً له؛ لأن أسباب الإسقاط أعم من ذلك؛ فلا احتياط [إذن].