بينهما مسافة [لا تقصر فيها الصلاة لم يكتب، وإن كان بينهما مسافة] تقصر فيها الصلاة كتب؛ لأن القاضي الكاتب كشاهد الأصل، وشهود الكتاب كشهود الفرع؛ فاعتبر في القبول مسافة القصر، كما اعتبرت في الشهادة على الشهادة.
وقيل: يقوم ما فوق مسافة العدوى مقام مسافة القصر في ذلك، وكذا في الشهادة على الشهادة، ولا يكفي فيهما مسافة العدوى فما دونها؛ كما صرح به القاضي الحسين وغيره، وسنذكر [عند] الكلام في الشهادة على الشهادة شيئاً آخر لا يستغني عنه من يتكلم في هذه المسألة.
ثم ما ذكره الأصحاب هنا يقتضي أن الكلام في البعد والقرب بالقاضي الكاتب دون الشهود الذين شهدوا عنده، وقد جزم الإمام في أوائل الباب بأن القاضي في الجانب الشرقي من بلد لو كتب إلى قاضي الجانب الغربي: بأني [قد] سمعت بينة فلان [على فلان]، ووصفها على شرطها، فاقض بها، وكان الذين شهدوا عند الكاتب قد غابوا أو ماتوا- ساغ للمكتوب إليه القضاء بذلك، بخلاف ما لو كان الذين شهدوا بعد حضوراً في البلد؛ [فإنه] لا يقضي بالكتاب؛ لأن استحضار الشهود سهل؛ فهم الأصل، وقول القاضي في حكم شهادة الفرع على الأصل فيستحضرهم القاضي الثاني ويستعيد الشهادة بشرطها.
والقاضي الحسين أطلق القول في هذه الصورة بعدم القبول عملاً بما قرره أولاً، وهو قضية لفظ الشافعي- رضي الله عنه- في "الأم"؛ كما نقله في "البحر" حيث قال: وإذا كان فيه قاضيان كبغداد، فكتب أحدهما إلى الآخر بما ثبت عنده من البينة- لم ينبغ له أن يقبلها حتى تعاد عليه، وإنما يقبل البينة في البلد الثانية التي لا يكلف أهلها إتيانه.
وقد طرد الإمام ما ذكره من التفصيل فيما لو وقف كل قاض في طرف محل ولايته، وقال أحدهما للآخر: إني سمعت [شهادة فلان وفلان] على فلان، وحلفته