كتاب كفاية النبيه في شرح التنبيه (اسم الجزء: 18)

قال: فإن أقام المدعي بينة، قضى له، أي: ولو بعد حلف المدعى عليه.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم البينة على اليمين مع أن كلاً منهما حجة؟
قيل: لأن اليمين حجة من جهة الخصم، وهي قول واحد، والبينة حجة من غير جهة الخصم، وهي قول اثنين؛ فكانت أبعد من التهمة.
ولأن البينة مستقلة بنفسها، واليمين لا تستقل بنفسها [وتحتاج] إلى سبب آخر، وهو براءة الذمة في مسألتنا، واليد عند دعوى العين.
قال: وإن [كان] المدعى عيناً، ولا بينة له، فإن كان في يد أحدهما، فالقول قوله مع يمينه؛ لما روى أبو داود عن علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي عن أبيه، قال: "جَاءَ رَجُلُ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلُ مِنْ كِنْدَةَ إِلَىِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَتْ لأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْحَضْرَمِيِّ: أَلَكَ بَيِّنَةُ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ، فَلَكَ يَمِينُهُ، فَقَالَ: يَا َرسُوْلَ اللهِ، إِنَّهُ فَاجِرُ، لَيْسَ يُبَالِي مَا حَلَفَ، لَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيءٍ، فَقَالَ: لَيْسَ [لَكَ] إِلَّا ذَلِكَ"، أخرجه مسلم وغيره.
وروى أبو داود عن الأشعث- وهو ابن قيس- قال: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضُ، فَجَحَدَنِي، فَقَدِمْتُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "أَلَكَ بَيِّنَةُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ لِلْيَهُوْدِيِّ: احْلِفْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَنْ يَحْلِفُ، وَيَذْهَبُ بِمَالِي؛ فَأَنْزَلَ اللهُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ} إلى آخر الآية [آل عمران: 77]. وقد أخرجه مسلم بنحوه، والبخاري أتم منه.
فرع: لو أراد المدعى [عليه] في هذه الحالة أن يقيم بينة على أن الملك له؛ ليتوقى عن اليمين، فهل تسمع؟ قال الأصحاب: ذلك ينبني على أنه لو أراد إقامة البينة على أن الملك له قبل أن يدعى عليه، هل تسمع؟ وفيها خلاف، حكاه الماوردي

الصفحة 436

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text