كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 18)

وفيها عزلَ الحاكمُ صاحبُ مصر سهمَ الدولة سُبُكْتِكين عن دمشق، [وكان قد ولَّاه إياها في سنة ستٍّ وأربع مئة]، وكان ظالمًا غشومًا فاتكًا، وهو الذي بنى جسر الحديد تحت قلعة دمشق على بردى، سخَّرَ الناسَ فيه، وأخذَ أموالهم، فكتب الناس (¬1) إلى الحاكم يشكونه، واتَّفق أن يوم فراغ الجسر قال: لا يَعْبُرْ غدًا أَحدٌ عليه. فلمَّا أصبحَ جلس على باب القلعة ينظر إليه، وقد عزم على أن يكون أولَ مَنْ يركب ويعبُرَ عليه، وإذا بفارس قد أقبل فعبر عليه، فأنكره (¬2)، وقال: مِنْ أينَ؟ قال: من مصر. وناوله كتاب الحاكم بعزلِه وظلمِه، فقال [أحمد بن عبيد الله] الماهر: [من مجزوء الرمل]
عقَدَ الجسرَ وقد ... حَلَّ عُراهُ بيديه
ما درى أنَّ عليهِ ... يعبرُ العزلُ إليهِ
[ولم أقف في هذا الباب على أحسن من هذين البيتين، ولا أرشق من هذين الشّكلين].
ولم يحجَّ أحدٌ إلى سنة اثنتي عشرة.
وفيها توفِّي

شباشي السعيد
ويُكنَّى أبا طاهر المُشطَّب مولى شرف الدولة [أبي الفوارس] بن عضد الدولة، ولقَّبَه بهاءُ الدولة بالسعيد ذي الفضيلتين، ولقب أبا الهيجاء بخُتَكين [الجرجاني] بالمناصح، وأشرك بينهما في مراعاة أمور الأتراك ببغداد، وكان السعيد [سعيدًا -كما سُمِّي-] كثيرَ الصدقات، فائضَ المعروف، [كثيرَ] الإحسان، حتى إنَّ أهل بغداد إذا رأوا مَنْ لبس قميصًا جديدًا قالوا: رحمَ اللهُ السعيد؛ لأنه كان يكسو اليتامى [والمساكين] والضعفاء، وهو الذي بنى [قنطرة العراق و] قنطرة الخندق عند باب حرب، والياسرية والزياتين وغيرها، وكان الناس يَلْقَون منها شدة، وأخرج الإسفهسلاريةُ يومَ العيد الجنائبَ بمراكب الذهب، وأظهروا الزينة، فقال [له] بعض أصحابه: لو كان لنا شيءٌ أظهرناه. فقال [له] السعيد: إنه ليس في جنائبهم قنطرة الخندق والياسرية والزياتين.
¬__________
(¬1) في (م) و (م 1): فكتب أهل دمشق.
(¬2) في (خ): فأنكروه، والمثبت من باقي النسخ.

الصفحة 265