كتاب تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن (اسم الجزء: 18)
الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ الطَّعَامَ حَتَّى نَزَلَتْ بِالْبَقِيعِ، «١» فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا وانفضوا إلها وَتَرَكُوا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعُونَ رَجُلًا أَنَا فِيهِمْ. قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً). قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يَقُلْ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ" إِلَّا أَرْبَعِينَ رَجُلًا" غَيْرَ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ حُصَيْنٍ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ حُصَيْنٍ فَقَالُوا: لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا. وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ خَرَجُوا جَمِيعًا لَأَضْرَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْوَادِي نَارًا)، ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ أَسْمَاءُ الِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، رَوَاهُ أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو وَالِدُ أَسَدِ بْنِ مُوسَى بْنِ أَسَدٍ. وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وقاص، وعبد الرحمن ابن عَوْفٍ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلَالٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ. قُلْتُ: لَمْ يَذْكُرْ جَابِرًا، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا. فَيَكُونُونَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَإِنْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِيهِمْ فَهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ السَّبَبَ الَّذِي تَرَخَّصُوا لِأَنْفُسِهِمْ فِي تَرْكِ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ، وَقَدْ كَانُوا خَلِيقًا بِفَضْلِهِمْ أَلَّا يَفْعَلُوا، فَقَالَ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُعَاذٍ بَكْرُ بْنُ مَعْرُوفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُقَاتِلَ بْنَ حَيَّانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ قَبْلَ الْخُطْبَةِ مِثْلَ الْعِيدَيْنِ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ جُمُعَةٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، وَقَدْ صَلَّى الْجُمُعَةَ، فَدَخَلَ، رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيَّ قَدِمَ بِتِجَارَةٍ، «٢» وَكَانَ دِحْيَةُ إِذَا قَدِمَ تَلَقَّاهُ أَهْلُهُ بِالدِّفَافِ، فَخَرَجَ النَّاسُ فَلَمْ يَظُنُّوا إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي تَرْكِ الخطبة شي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها. فَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُطْبَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ. وَكَانَ لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ لِرُعَافٍ أَوْ أَحْدَاثٍ بَعْدَ النَّهْيِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يشير إليه
---------------
(١). البقيع: مقبرة بالمدينة.
(٢). في س، ز، ط، ل، هـ:" قدم بتجارته".
الصفحة 110