كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 18)

ومقيس والقينتين وأطلق الباقين، ثم كانت حنين فسبى هوازن ومنَّ عليهم وقتل أبا عزة الجمحي يوم أحد، وقد كان منَّ عليه يوم بدر، وأطلق ثمامة بن أثال، فكانت هذِه أحكامه - صلى الله عليه وسلم - بالمن والفداء والقتل، فليس شيء منها منسوخًا، والأمور فيهم إلى الإمام، وهو مخير بين القتل والمن والفداء يفعل الأفضل في ذَلِكَ للإسلام وأهله، وهو قول مالك (¬1) والشافعي (¬2) وأحمد وأبي ثور.
قَالَ المهلب: وأما قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67] فإنها نزلت في أسرى بدر أخذ فيهم برأي الصديق في استحيائهم وقبوله الفداء فيهم، وكان عمر أشار عليه بقتلهم، وأشار عليه غيره بحرقهم استبلاغًا فيهم، فبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى رأيه في ذَلِكَ، وكان أول وقعة أوقعها الله بالكفار فأراد الله أن يكسر شوكتهم بقتلهم، فعاتب الله نبيه وأنزل عليه الآية: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} يعني: الفداء {وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} [الأنفال: 67] إعلاء كلمته وإظهار دينه بقتلهم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لو نزلت آية عذاب ما نجا منه غير عمر"؛ لأنهم طلبوا الفداء وكانت الغنائم محرمة عليهم (¬3).
وقال الطبري (¬4) في قوله: "لو نزلت آية عذاب" إلى آخره وقوله: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ} [الأنفال: 68] الآية، إن قيل: كيف استحقوا هذِه اللائمة العظيمة؟ فالجواب أنه - صلى الله عليه وسلم - ومن شهد معه بدرًا لم يخالفوا أمر ربهم فيستوجبوا اللائمة، وأن الذين اختاروا فداء. الأسرى على
¬__________
(¬1) انظر: "النوادر والزيادات" 3/ 327.
(¬2) انظر: "روضة الطالبين" 10/ 274.
(¬3) نقله ابن بطال في "شرحه" 5/ 175.
(¬4) الطبري 6/ 291.

الصفحة 194