كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 19)

قد كانَ قلبي بكُم مأوى السرورِ فَمُذْ ... نأيتُمُ صار مأوى كلِّ بَلبالي (¬1)
فلو شَرَيتُ بعمري ساعةً سَلَفَتْ ... من عيشتي معكُم ما كانَ بالغالي
ما في أُعلِّلُ نفسي بالوقوفِ على ... منازلٍ أقفرَتْ منكم وأطلالِ
قد بُدِّلتْ صامتًا من ناطقٍ لَسِنٍ ... ونافرٍ عاطلًا (¬2) من أُنسِكُم حالي
أُميتُ من حرِّ أنفاسي خمائِلَها ... طورًا وأَبكي فأحييها بتَهمالي
وأبتغي من رسومٍ قد دَرسْنَ بها ... رجْعَ الكلامِ وما يُبْهمنَ تسآلي
أأرتجي البُرءَ منها وهْيَ باليةٌ ... هيهاتَ كيفَ يُداوي باليًا بالي
مَنْ لي بكتمانِ ما ألقاهُ من ألمٍ ... وظاهري مُعْرِبٌ عن باطنِ الحالِ
قالوا تشاغلَ عنَّا واصطفى بدلًا ... منا وذلك فِعلُ الخائنِ السالي (¬3)
وكيفَ أُشغِلُ قلبي عن محبَّتكُم ... وغيرِ ذِكركمُ يا كُل أشغالي
لِيهْنَ قومٌ أطاعوا في عواذِلهم ... إني على العهدِ في عصيانِ عُذَّالي
وقال أيضًا: [من الكامل]
قد حانَ من سفرِ الصُّدودِ قدومُ ... فإلى متى هذا الصُّدودُ يدومُ
لم يبقَ منِّي ما يبينُ لناظرٍ ... إلا ثيابٌ تحتهنَّ رسومُ
لو أنها ظهرت لأَقصرَ عاذلي ... ولَقال كيف يُخاطَبُ المعدومُ
إنَّ الذي يَهوَى ظلومَ وينتهي ... عنها بعَذْلٍ إنَّهُ لظَلومُ (¬4)
ما لامَ فيها عاذلٌ فبدَتْ لَهُ ... عمدًا فأبصرَها يكادُ يلومُ
وقال: [من الطويل]
أبثُّهُمُ وجدي وهُمْ بيَ أعلمُ ... وأرجو شفائي منهمُ وهمُ هُمُ
وكَمْ عذلوني فيهمُ غيرَ مرَّةٍ ... فقلتُ لهم واللهُ بالصِّدقِ أعلمُ
وجدتُمْ ولكنِّي وجدتُ عليكُمُ ... لأنَّكُمُ ما جُدتُمُ إذْ وجْدتُمُ
¬__________
(¬1) البلبال: شدة الهم. المعجم الوسيط (بلبل).
(¬2) في (ب): عاطرًا.
(¬3) السالي: النَّاسي، من السُّلُوِّ.
(¬4) في النسخة الوحيدة (خ): عذوله لمظلوم. ولم يستقِمْ في وزنُه ولا معناه، ولعل الصوابَ ما استظهرتُه.

الصفحة 317