كتاب مستخرج أبي عوانة ط الجامعة الإسلامية (اسم الجزء: 19)

ومن مناقب أبي ذر جندب بن السكن ويقال: ابن جنادة (¬1) ويقال: اسيمه: بربر (¬2)، مات سنة اثنتين وثلاثين رضي الله عنه
¬_________
(¬1) (ك 5/ 172/ ب).
(¬2) قال الحافظ: "مختلف في اسمه، واسم أبيه، والمشهور: أنه جندب بن جنادة بن سكن. الزاهد المشهور الصادق اللهجة، كان من السابقين إلى الإسلام، يقال: إن إسلامه كان بعد أربعة، ثم انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها حتى قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، ولم تتهيأ له الهجرة إلا بعد ذلك، وكان طويلًا، أسمر اللون، نحيفا -رضي الله عنه-.
وكانت وفاته سنة ثنتين وثلاثين بالربذة، وهذا هو قول الأكثر" أ. هـ، وهو اختيار أبي عوانة هنا. انظر: الاستيعاب (4/ 216)، السير (2/ 46)، الإصابة (7/ 125).
10869 - حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري، حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي (¬1) ح
وحدثنا أبو يحيى بن أبي مسرة (¬2)، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ (¬3)، قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة (¬4)، عن حميد بن هلال، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا
-[69]- غفار، وكانوا يحلون الشهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أُنيس (¬5)، وأمنا (¬6)، فانطلقنا حتى نزلنا على خالنا في ماله، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومة، وقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس، قال: فنثا (¬7) علينا ما قيل له، قال: فقلت [له] (¬8): أما ما مضى من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لك فيما بعد اليوم، فقربنا صرمتنا (¬9) فاحتملنا عليها، قال: وتغطى خالنا ثوبه، فجعل يبكي، فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة، قال: فنافر (¬10) أنيس عن صرمتنا وعن مثلها، فأتينا الكاهن، فخير أنيس عليه، فأتانا بصرمتنا
-[70]- ومثلها معها، قال: وصليت يابن أخي قبل أن ألقى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بثلاث سنين، قال: قلت: لمن؟ قال: لله عز وجل، قال: قلت: فأين كنت تَوَجه؟ قال: حيث وجهني الله، أصلي عشاءً حتى إذا كان آخر الليل ألقيت، حتى كأني خفاء -يعني: الثوب الملقى- حتى تعلوني الشمس، قال: فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة، فاكفني حتى آتيك، قال: فراث (¬11) عليّ، ثم أتاني، فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلًا بمكة على دينك، يذكر أن الله عز وجل أرسله، قال أنيس: فوالله لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء (¬12) الشعر، فما هو يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون، قال: قلت: اكفني حتى أذهب فأنظر، فقال: نعم، وكن من أهل مكة على حذر، فإنهم قد شنفوا له (¬13)، وتجهموا له (¬14).
قال: فقدمت مكة، فتضاعفت (¬15) رجلًا منهم، فقلت: (¬16) أين
-[71]- هذا الرجل الذي تدعون الصابئ (¬17)؛ فأشار إلي، قال: الصابئ؟ فمال عليّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم، حتى خررت مغشيًّا علي، فارتفعت حين ارتفعت، وكأني نصب (¬18) أحمر، فأتيت زمزم، فغسلت عني الدم، وشربت من مائها، قال: فلبثت يابن أخي ثلاثين من بين يوم وليلة، ما لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن (¬19) بطني، وما وجدت على كبدي سخفة (¬20) جوع، قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان (¬21)، إذ ضرب الله عز وجل على أسمختهم (¬22)، فما يطوف بالبيت منهم أحد غير امرأتين، فأتتا علي في
-[72]- طوافهما وهما يدعوان إسافًا ونائلة (¬23)، فقلت: أنكحا أحدهما الآخر، فما ثناهما ذلك، قال: فأتتا علي، فقلت: هَنٌ (¬24) مثل الخشبة! -غير أني لم أكن- قال: فانطلقتا تولولان، وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا؟ فاستقبلهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر -رضي الله عنه-، وهما هابطان من الجبل، فقال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها، فقال: ما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم (¬25).
قال: وأقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه حتى أتيا الحجر، فاستلمه، ثم طاف بالبيت، ثم صلى، فأتيته حين قضى صلاته، فكنت أول من حياه بتحية الإسلام، فقال: "وعليك السلام ورحمة الله، ممن أنت"؟ فقلت: من غفار، فأهوى بيده ووضع يده على جبينه، فقلت لنفسي: كره إذ انتميت إلى غفار، قال: فأهويت لآخذ بيده، فقدعني (¬26)
-[73]- صاحبه، وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه، فقال: "متى كنت هاهنا"؟ قال: قلت: منذ ثلاثين من بين يوم وليلة، قال: "فمن كان يطعمك"؟ قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، قال: فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، وما وجدت على كبدي سخفة جوع، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنها مباركة، إنها طعام طعم"، فقال أَبو بكر: يا رسول الله! أتحفني (¬27) بطعامه الليلة.
قال: فانطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وانطلق أَبو بكر رضي الله عنه، وانطلقت معهما (¬28) ففتح أَبو بكر بابًا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، قال: فذلك أول طعام أكلت بها، قال: فغبرت (¬29) ما غبرت، فلقيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال لي: "قد وجهت إلى أرض ذات نخل، ولا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عني قومك، عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك"؟ فقلت: نعم.
فانطلقت حتى قدمت على أخي أنيس، فقال: ما صنعت؟ فقلت: صنعت أن أسلمت وصدقت، فقال أنيس: ما بي رغبة عن دينك، وإني قد أسلمت وصدقت قال: ثم أتيت أمنا، فقالت: ما بي رغبة عن
-[74]- دينكما، فإني قد أسلمت وصدقت، قال: واحتملنا (¬30)، فأتينا قومنا غفار، فأسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، فكان يؤمهم إيماء بن رحضة (¬31) الغفاري، وكان سيدهم، قال: وقال بقيتهم إذا قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسلمنا، فقدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأسلم بقيتهم، وجاءت أسلم فقالت: يا رسول الله! إخواننا نسلم على الذي (¬32) أسلموا عليه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله" (¬33). معنى حديثهما واحد (¬34).
¬_________
(¬1) أبو عبد الرحمن البصري.
(¬2) هو: عبد الله بن أحمد بن أبي مسرة المكي.
(¬3) أبو عبد الرحمن المكي، الإمام المقرئ.
(¬4) موضع الالتقاء هو: سليمان بن المغيرة.
(¬5) هو: أنيس بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار الغفاري، أخو أبي ذر، وكان أكبر منه. انظر: الإصابة (1/ 136).
(¬6) اسمها: رملة بنت الوقيعة الغفارية. الإصابة (7/ 125).
(¬7) أي: أخبر به، وأفشاه. غريب الحديث (2/ 391)، المشارق (2/ 4)، شرح صحيح مسلم (16/ 41).
(¬8) زيادة من (ك).
(¬9) بكسر الصاد، وهي: القطعة من الإبل.
انظر: غريب الحديث لابن الجوزي (1/ 587)، المشارق (2/ 42)، شرح صحيح مسلم (16/ 41).
(¬10) قال أبو عبيد: المنافرة: أن يفتخر الرجلان كل واحد على صاحبه، ثم يحكما بينهما رجلًا، وكانت هذه المفاخرة بالشعر أيهما أشعر، كما بينته الرواية الأخرى.
غريب الحديث لأبي عبيد (4/ 40)، وشرح صحيح مسلم (16/ 41).
(¬11) أي: أبطأ. شرح صحيح مسلم للنووي (16/ 42).
(¬12) أي: طرقه وأنواعه. المشارق (2/ 175)، وشرح صحيح مسلم (16/ 42).
(¬13) أي: أبغضوه. غريب الحديث (1/ 562)، المشارق (2/ 254)، شرح صحيح مسلم (16/ 47).
(¬14) أي: قابلوه بوجوه غليظة كريهة. المشارق (1/ 162)، وشرح صحيح مسلم (16/ 47).
(¬15) أي: فنظرت إلى أضعفهم فسألته، لأن الضعيف مأمون الغائلة غالبًا. انظر: شرح صحيح مسلم (16/ 43).
(¬16) (ك 5/ 173/أ).
(¬17) الصابئ: هو الخارج من دين إلى آخر. المشارق (2/ 37).
(¬18) يعني: من كثرة الدماء، والنصب: هو الحجر والصنم كانت الجاهلية تنصب وتذبح عنده فيحمر بالدم. المشارق (2/ 15)، شرح صحيح مسلم (16/ 43).
(¬19) أي: طياته سمنًا، أي ينطوي بعضها على بعض، والمعنى: أي انثنت لكثرة السمن وانطوت. انظر: المشارق (2/ 82)، وشرح صحيح مسلم (16/ 43).
(¬20) أي: رقة الجوع وضعفه وهزاله، والسخف -بالفتح- رقة العيش، وبالضم: رقة العقل.
غريب الحديث (1/ 468)، المشارق (2/ 210)، شرح صحيح مسلم (16/ 43).
(¬21) أي: مضيئة. غريب الحديث (2/ 8)، وشرح صحيح مسلم (16/ 44).
(¬22) السماخ: هو الخرق الذي في الأذن، يفضي إلى الرأس، ويقال: صماخ -بالصاد- وهو أفصح وأشهر، والمراد بأصمختهم هنا: أذانهم، أي ناموا.
غريب الحديث (1/ 603)، المشارق (2/ 46)، شرح صحيح مسلم (16/ 44).
(¬23) إساف ونائلة: صنمان تزعم العرب أنهما كانا رجلًا وامرأة زنيا في الكعبة، فمسخا.
وقيل: هما صنمان وضعهما عمرو بن لحي على الصفا والمروة، وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة. انظر: النهاية (1/ 49)، لسان العرب (9/ 6).
(¬24) كناية عن كل شيء، وأكثر ما يستعمل: كناية عن الفرج والذكر.
غريب الحديث (2/ 502)، المشارق (2/ 271)، شرح صحيح مسلم (16/ 44).
(¬25) أي: عظيمة، لا شيء أقبح منها، كالشيء الذي يملأ الشيء ولا يسع غيره، وقيل: لا يمكن ذكرها كأنها تسد فم حاكيها وتملؤه. شرح صحيح مسلم (16/ 44، 45).
(¬26) من القدع، وهو الكف والمنع.
غريب الحديث (2/ 224)، المشارق (2/ 173)، شرح صحيح مسلم (16/ 45).
(¬27) أي: خصني به وأكرمني بذلك كما يخص بالتحفة.
المشارق (1/ 120)، شرح صحيح مسلم (16/ 48).
(¬28) (ك 5/ 173 / ب).
(¬29) أي: بقيت ما بقيت. المشارق (2/ 127).
(¬30) في (ك) و (هـ): "فاحتملنا".
(¬31) هو: ابن خربة بن خفاف بن حارثة بن غفار، قديم الإسلام، قال ابن المديني: له صحبة. انظر: الإصابة (1/ 169).
(¬32) هكذا في الأصل وصحيح مسلم، وهو الصواب، وجاء في (ك): "الذين".
(¬33) أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب فضائل الصحابة -باب من فضائل أبي ذر رضى الله عنه-4/ 1919، رقم 132).
(¬34) أي: الراويان عن سليمان بن المغيرة، وهما: القعنبي، وعبد الله بن يزيد المقرئ.

الصفحة 68