كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 19)

فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ مَضَى الْقَوْلُ فِيهِ «1» فِي مَوْضِعِهِ مُسْتَوْفًى. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ لَا تُحِيطُ أَبْصَارُهُمْ بِهِ مِنْ عَظَمَتِهِ، وَنَظَرُهُ يُحِيطُ بِهَا، يَدُلُّ عَلَيْهِ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الانعام: 103] قَالَ الْقُشَيْرِيُّ أَبُو نَصْرٍ: وَقِيلَ: إِلى وَاحِدُ الْآلَاءِ: أَيْ نِعَمُهُ مُنْتَظَرَةٌ وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ، لِأَنَّ وَاحِدَ الْآلَاءِ يُكْتَبُ بِالْأَلِفِ لَا بِالْيَاءِ، ثُمَّ الْآلَاءُ: نِعَمُهُ الدُّفَّعُ «2»، وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنْتَظِرُونَ دَفْعَ نِقَمِهِ عَنْهُمْ، وَالْمُنْتَظِرُ لِلشَّيْءِ مُتَنَغِّصُ الْعَيْشِ، فَلَا يُوصَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: أَضَافَ النَّظَرَ إِلَى الْوَجْهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [المائدة: 119] وَالْمَاءُ يَجْرِي فِي النَّهْرِ لَا النَّهْرُ. ثُمَّ قَدْ يُذْكَرُ الْوَجْهُ بِمَعْنَى الْعَيْنِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً [يوسف: 93] أَيْ عَلَى عَيْنَيْهِ. ثُمَّ لَا يَبْعُدُ قَلْبُ الْعَادَةِ غَدًا، حَتَّى يَخْلُقَ الرُّؤْيَةَ وَالنَّظَرَ فِي الْوَجْهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ [الملك: 22]، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يَمْشُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: [الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ [. (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ) أَيْ وُجُوهُ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالِحَةٌ كَاسِفَةٌ عَابِسَةٌ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَبَسَرَ الْفَحْلُ النَّاقَةَ وَابْتَسَرَهَا: إِذَا ضَرَبَهَا مِنْ غَيْرِ ضَبَعَةٍ «3». وَبَسَرَ الرَّجُلُ وَجْهَهُ بُسُورًا أَيْ كَلَحَ، يُقَالُ: عَبَسَ وَبَسَرَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: باسِرَةٌ أَيْ مُتَغَيِّرَةٌ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ. (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ) أَيْ تُوقِنُ وَتَعْلَمُ، وَالْفَاقِرَةُ: الدَّاهِيَةُ وَالْأَمْرُ الْعَظِيمُ، يُقَالُ: فَقَرَتْهُ الْفَاقِرَةُ: أَيْ كَسَرَتْ فَقَارَ ظَهْرِهِ. قَالَ مَعْنَاهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْفَاقِرَةُ الشَّرُّ. السُّدِّيُّ: الْهَلَاكُ. ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ زَيْدٍ: دُخُولُ النَّارِ. وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ وَأَصْلُهَا الْوَسْمُ عَلَى أَنْفِ الْبَعِيرِ بِحَدِيدَةٍ أَوْ نَارٍ حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى الْعَظْمِ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ. يُقَالُ: فَقَرْتُ أَنْفَ الْبَعِيرِ: إِذَا حَزَزْتَهُ بِحَدِيدَةٍ ثُمَّ جَعَلْتَ عَلَى مَوْضِعِ الْحَزِّ الْجَرِيرَ «4» وَعَلَيْهِ وَتَرٌ مَلْوِيٌّ، لِتُذَلِّلَهُ بِذَلِكَ وَتُرَوِّضَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: قَدْ عَمِلَ بِهِ الْفَاقِرَةَ. وَقَالَ النَّابِغَةُ:
أَبَى لِيَ قَبْرٌ لَا يَزَالُ مُقَابِلِي ... وَضَرْبَةُ فَأْسٍ فَوْقَ رَأْسِي فَاقِرَهْ
أي كاسرة.
__________
(1). راجع ج 7 ص (54)
(2). هكذا في كل الأصول.
(3). ضبعت الناقة: اشتهت الفحل.
(4). الجرير: حبل من أدم يخطم به البعير.

الصفحة 110