كتاب تفسير القرطبي (اسم الجزء: 19)

وقال آخر «1»:
وَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا صُدُودٌ رَأَيْتُهُ ... وَإِعْرَاضُهَا عَنْ حاجتي وبسؤرها
وَقِيلَ: إِنَّ ظُهُورَ الْعُبُوسِ فِي الْوَجْهِ بَعْدَ الْمُحَاوَرَةِ، وَظُهُورُ الْبُسُورِ فِي الْوَجْهِ قَبْلَ الْمُحَاوَرَةِ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَسَرَ وَقَفَ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ. قَالُوا: وَكَذَلِكَ يَقُولُ أَهْلُ الْيَمَنِ إِذَا وَقَفَ الْمَرْكَبُ، فَلَمْ يَجِئْ وَلَمْ يَذْهَبْ: قَدْ بَسَرَ الْمَرْكَبُ، وَأَبْسَرَ أَيْ وَقَفَ وَقَدْ أَبْسَرْنَا. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَجْهٌ بَاسِرٌ بَيِّنُ الْبُسُورِ: إِذَا تَغَيَّرَ وَاسْوَدَّ. ثُمَّ أَدْبَرَ أَيْ وَلَّى وَأَعْرَضَ ذَاهِبًا إِلَى أَهْلِهِ. وَاسْتَكْبَرَ أَيْ تَعَظَّمَ عَنْ أَنْ يُؤْمِنَ. وَقِيلَ: أَدْبَرَ عَنِ الْإِيمَانِ وَاسْتَكْبَرَ حِينَ دُعِيَ إِلَيْهِ. فَقالَ إِنْ هَذَا أَيْ مَا هَذَا الَّذِي أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ أَيْ يَأْثِرُهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَالسِّحْرُ: الْخَدِيعَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ (الْبَقَرَةِ) «2». وَقَالَ قَوْمٌ: السِّحْرُ: إِظْهَارُ الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ. وَالْأَثَرَةُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ: أَثَرْتُ الْحَدِيثَ آثِرُهُ إِذَا ذَكَرْتُهُ عَنْ غَيْرِكَ، وَمِنْهُ قِيلَ: حَدِيثٌ مَأْثُورٌ: أَيْ يَنْقُلُهُ خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ «3»:
وَلَوْ عَنْ نَثَا غَيْرِهِ جَاءَنِي ... وَجُرْحُ اللِّسَانِ كَجُرْحِ الْيَدِ
لَقُلْتُ مِنَ الْقَوْلِ مَا لَا يَزَا ... لُ يُؤْثَرُ عَنِّي يَدَ الْمُسْنَدِ
يُرِيدُ: آخِرَ الدَّهْرِ، وَقَالَ الْأَعْشَى:
إِنَّ الَّذِي فِيهِ تَمَارَيْتُمَا «4» ... بُيِّنَ لِلسَّامِعِ وَالْآثِرِ
وَيُرْوَى: بَيَّنَ. (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) أَيْ مَا هَذَا إِلَّا كَلَامُ الْمَخْلُوقِينَ، يَخْتَدِعُ بِهِ الْقُلُوبَ كَمَا تُخْتَدَعُ بِالسِّحْرِ، قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنُونَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ سَيَّارٍ «5» عَبْدٍ لِبَنِي الْحَضْرَمِيِّ، كَانَ يُجَالِسُ النَّبِيَّ
__________
(1). هو توبة بن الحمير. وزاد بعض النسخ بعد هذا البيت ما يأتي كحاشية: قوله (بشهباء): أراد بكتيبة شهباء ومنه قول عنترة:
وكتيبة لبستها بكتيبة ... شهباء باسلة يخاف رداها
ويقال: كتيبة ململمة وملمومة أيضا أي مجتمعة مضموم بعضها إلى بعض. وصخرة ملمومة وململمة أي مستديرة صلبة قاله الجوهري.
(2). راجع 2 ص (43)
(3). يقول: لو أتاني هذا النبأ عن حديث غيره لقلت قولا يشيع في الناس ويؤثر عنى آخر الدهر. والنثا: ما يحدث به من خير وشر. والمسند: الدهر.
(4). الذي في ديوان الأعشى طبع أوربا: (تداريتما).
(5). في ز: (من قول أبي اليسر سيار).

الصفحة 76