كتاب القصاص والمذكرين

يَقُولُ: " أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ " حَتَّى لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ بِالسُّوقِ لَسَمِعَهُ مِنْ مَقَامِي هَذَا قَالَ: حَتَّى وَقَعَتْ خَمِيصَةٌ كَانَتْ عَلَى عَاتِقِهِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ.
فَصْلٌ

قَالَ الْمُصَنِّفُ: فَإِذَا أَنْهَى الْكَلَامَ فِي التَّفْسِيرِ أَجَابَ عَنْ مَسَائِلَ إِنْ سُئِلَ. ثمَّ أَمر القارىء فَقَرَأَ، وَتَكَلَّمَ عَلَى الْآيَاتِ بِمَا يَلِيقُ بِهَا، وَيَصْلُحُ مِنَ الْمَوَاعِظِ الْمُرَقِّقَةِ وَالزَّوَاجِرِ الْمُخَوِّفَةِ. وَلْيُدْرِجْ فِي كَلَامِهِ أَخْبَارَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، / وَالتَّشْوِيقِ إِلَى الْجَنَّةِ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ النَّارِ. وَلْيَأْمُرْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ وَيَنْهَى عَنِ التَّوَانِي عَنْهَا. وَلْيَحُثَّ عَلَى الزَّكَاةِ وَيُذَكِّرِ الْوَعِيدَ لِمَنْ فَرَّطَ فِيهَا، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ وَالصَّوْمُ. وَلْيُبَالِغْ فِي ذِكْرِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَفِعْلِ الْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَكْلِ الرِّبَا، وَيُعَلِّمُهُمْ عُقُودَ الْمُعَامَلَاتِ. وَلْيَأْمُرْ بِإِمْسَاكِ اللِّسَان عَن فضول الْكَلَام وغص الْبَصَرِ عَنِ الْحَرَامِ. وَلْيُخَوِّفْ مِنَ الزِّنَا، وَيَذْكُرُ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، وَيَذْكُرُ مِنْ حِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ مَا يَصْلُحُ ذِكْرُهُ. فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ عَنْ أَقْوَامٍ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى النُّفُوسِ فِي الْعِبَادَةِ مَا لَا يَحْسُنُ، مِثْلُ مَا يُرْوَى أَنَّ فُلَانًا عَاشَ ثَمَانِينَ سَنَةً مَا اضْطَجَعَ.
قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ: مَثَلُ الْقُصَّاصِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْعَوَامَّ بِالتَّخَشُّنِ فِي الطَّرِيقَةِ وَيَعْدِلُونَ عَنْ ذِكْرِ الرِّبَا وَالزِّنَا وَالْفَوَاحِشِ كَمَثَلِ طَبِيبٍ يَنْهَى الْمَرِيضَ عَمَّا يُؤْلِمُ الضِّرْسَ، وَلَا / يَصِفُ لَهُ دَوَاءً لِعِلَّةٍ عَظِيمَةٍ هَاجِمَةٍ عَلَى الْجِسْمِ. فَإِنَّ الْوَاعِظَ إِذَا تَشَاغَلَ بِحَثِّ الْعَوَامِّ عَلَى الْوَرَعِ وَالتَّقَلُّلِ مِنَ الْمُبَاحِ وَكَسْرِ النَّفْسِ مَعَ عِلْمِهِ بِإِشَاعَةِ الْفَوَاحِشِ مِنْهُمْ كَانَ كَذَلِك.

الصفحة 364

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text