كتاب يثرب قبل الإسلام

133 ...
أنفسهم وأملاكهم، ولهذا كانت محالفاتهم مع غيرهم ممن جاورهم في حيز ضيق بقدر الظروف التي تحيط بهم، فأما اليهود فلم يحالفوا أحداً ممن هم خارج يثرب، ولكن كانت أحلافهم تقع بين بعضهم وبين الأوس وبين يعضهم الآخر وبين الخزرج، ولعل الذي دعاهم إلى ذلك هو خوفهم من طمع القادمين إلى يثرب من غير أهلها في أموالهم وديارهم، فخبؤوا همهم في قلوبهم، ورضوا بما هم فيه، فإنه مهما كان خير من تطلع القبائل الأخرى إلى ما في أيديهم، لأنهم إذا طمعوا في ذلك لن يردهم شيء إلا الحصول على ما يريدون.
وأما الأوس والخزرج فقد كانت أحلافهم مع من جاورهم من القبائل بالقدر الذي تدعو إليه الضرورة، فقد روى صاحب الأغاني أن بعض البطون من الأوس قد حالفوا مزينة وسليم اللتين كانتا تعيشان شرقي المدينة، وحالفت بطون الخزرج قبيلة جهينة التي كانت تقطن غربي المدينة، كما حالوا أشجع التي كانت تسكن في شمالها الغربي (1) وكانت كل قبيلة تستعين بحليفاتها عندما تدعو الحاجة، وكانت الأحلاف محترمة لا تنقض إلا إذا تعارضت مع مصلحة القبيلة، فعندئذٍ تنقض لتحقيق تلك المصلحة.
ولقد حدث ذلك فعلاً يوم الأحزاب، حيث نقضت أشجع الحلف الذي بينهم وبين الخزرج ووقفت مع مشركي مكة بقيادة مسعر بن رخيلة ضد حلفائهم الخزرج الذين كانوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2) ولم يكن وراء ذلك دافع إلا تحقيق مصالح القبيلة التي وعدهم بها اليهود وهم يحرضونهم على قتال المسلمين.
ولم يمض وقت طويل حتى تنضم أشجع إلى حلفائها في غزوة الفتح، وتقاتل المشركين الذين كانت تقاتل معهم من قبل في غزوة الأحزاب، وهي في كلا الحالتين تحقق مصالحها ولا تريد إلا ذلك (3).
...
__________
(1) الأغاني (15/ 159) التقدم.
(2) ابن هشام (م2/ 215).
(3) مكة والمدينة، ص 351.

الصفحة 133