كتاب المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى

الحالة الاقتصادية
لم تكن المدينة في حالة اقتصادية جيدة عند قدوم المسلمين إليها
مهاجرين من مكة، لأن الحروب الطاحنة التي دارت بين الأوس والخزرج
كادت تقضي على اقتصاد البلد تماما، كما لم يكن المحصول الزراعي كافيا
إلا بالقدر الضروري، بل كثيرا ما كان أهل المدينة يستوردون من الشام
الحبوب والدقيق (1) ليتزودوا به، وليكملوا النقص في محاصيلهم الزراعية.
ولما قدم المهاجرون إلى المدينة، ونزلوا على إخوانهم الأنصار ازدادت
الحالة الاقتصادية سوءا، فقد أصبح الطعام الذي يكفي الواحد لا بد أن
يتسع لاثنين أو أكثر، وأخذ الأنصار يقدمون إخوانهم الوافدين على أنفسهم،
ويؤثرونهم بما عندهم، ولو أدى ذلك إلى حرمانهم، وإننا لنلمح تصوترا دقيقا
للوضع الاقتصادي في المدينة من خلال الآية الكريمة " والذين تبؤوا الدار
والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم، ولا يجدون في صدورهم
حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح
نفسه فأولئك هم المفلحون " (2).
والإيثار هو تقديم الغير على النفس، وذلك لا يكون إلا عند قلة
الشيء، إذ لو كان كثيرا لم يكن هناك إيثار بالمعنى المتقدم، فالآية إذا تعبير
صريح عن الضيق الاقتصادي الذي كان يعاني منه أهل المدينة.
__________
(1) البخاري (4/ 5 2 3).
(2) الحشر: 9.
139

الصفحة 139