كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 21)
واستخدمِ الأيَّام قبل نفورها ... واستغنمِ اللَّذَّاتِ قبل حِرانها
جاءَتْكَ أيَّامُ الرَّبيعِ فمرحبًا ... بقُدُومها وبحُسْنِ فِعْلِ زمانِها
وحَبَتْك من سرِّ السَّحاب بجنَّةٍ ... تتفنَنُ الأبصارُ في أفنانِها
وبَدَتْ لك الدُّنيا تُدِلُّ بحُسْنها ... وبهائِها وتميسُ في أرْدانِها
أرأيتَ أبهى من بدائعِ نَوْرِها ... في الرَّوضِ طالعةً على غُدْرانها
فكانَ مَعْبد أُوْ مُخارِقَ أصبحا (¬1) ... في طِيبِ صوتهما كبعض قِيانها
يا صاح ما لك لا تزال مُوَلَّهًا ... تُعطي الصَّبابةَ منك فَضْلَ عِنانها
ما للرِّياض إلى دموعك حاجةٌ ... قد ناب صَوْبُ الغَيثِ عن هَمَلانها
هل أذكَرَتْكَ علامةٌ لشقيقها ... أم هيَّجتْك إشارةٌ في بانها
أم حرَّكَتْ منك البلابلُ ساكنًا ... بحنينِ ما رَجَّعْنَ من ألحانها
ما ذاك إلا أنَّ في الأحبابِ ما ... أجرى لك العَبَراتِ من ألوانها
فذكرتَ ألوانَ الخُدودِ بوَرْدِها ... وسوالف الأَصْداغ من رَيحانها
وكذا المحاسنُ لا تكون محاسنًا ... إلا إذا جُليت على أقرانها
آهًا لقلبٍ لم يزل في صَبْوَةٍ ... وصبابةٍ يُلْقى على نيرانها
غَلَبَتْ عليه يدُ النَّوى ويدُ الهوى ... كالنَّارِ لا يقوى على سُلْطانها
يا قاصدًا أرضَ الأَحِبَّة زائرًا ... بلِّغْ تحيَّتَنا إلى سُكَّانِها (¬2)
وقال العماد الكاتب: ابن النَّقَّار الدِّمشقي، كان فاضلًا، كتَبَ لملوكِ دمشق ولنور الدين، وعاش نيفًا وتسعين سنة، ومن شِعْره: [من الكامل]
الله يعلَمُ أنَّني ما خِلْتُهُ ... يَصْبو إلى الهِجْران حين وَصَلْتُهُ
مَنْ مُنْصفي مِن ظالمٍ مُتَعَتِّبٍ ... يزدادُ ظُلْمًا كلَّما حكَمْتُهُ
ملَّكْتُه رُوحي ليحفظَ مُلْكَه ... فأضاعني وأضاع ما ملَّكْتُهُ
¬__________
(¬1) معبد هو ابن وهب، من كبار المغنين في العصر الأموي، توفي سنة (126 هـ)، وله ترجمة في الأغاني: 1/ 36 - 59 طبعة دار الكتب، ومخارق: هو ابن يحيى الجزار، كان إمام عصره في فن الغناء في العصر العباسي، وتوفي سنة (123 هـ)، وله ترجمة في الأغاني: 3/ 71 - 72 طبعة دار الكتب، ولم يصرف الشاعر "معبد" لضرورة الشعر.
(¬2) القصيدة بتمامها في "تاريخ ابن عساكر": 8/ 1006 - 1007.