كتاب مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (اسم الجزء: 21)

الآخرة، وسَلْه مهما شئت، ثم علَّمني كلمات وقال: إذا طلبتَ أمرًا فاذكرها، فقلتُ له: بالله مَنْ أنتَ؟ فقال: أنا أخوك الخضر. ثم غابَ عني، فإذا عَزَمْتُ على أمرٍ، وأردتُ أذهب إلى مكة أو المدينة أو إلى أي بلدٍ شئتُ، لبستُ هذه العباءة، وتكلَّمت بتلك الكلمات، وأغمض عيني وما أفتحها إلا وأنا في تلك البقعة (¬1).
[وحكى (¬2) لي نجم الدين الحسن بن سلام؛ أحد عدول دمشق وأعيانها، وكان صديقنا وصاحبنا رحمه الله] قال: لما ملك الأشرفُ رحمه الله دمشق، وعمر مسجد أبي الدَّرْداء - رضي الله عنه - في القلعة، وأفرده عن الدُّور، دخلتُ عليه يومًا وهو فيه، فقال لي: [يا نجم الدين] (¬3) كيف ترى هذا المسجد؟ قد عمرته وأفردته عن الدُّور، وما صلَّى فيه أحدٌ منذ زمن أبي الدَّرْداء إلى الآن. فقلتُ له: الله الله يا مولانا، ما زال نور الدِّين منذ ملك دمشق يصلِّي فيه الصلوات الخمس، فقال: من أين لك هذا؟ قلتُ: حدَّثني والدي [وكان من أكابر عدول دمشق، وكان أبوه يلقب بالسَّعيد] (¬4): إنَّ الفرنج لما نزلت على دِمْياط بعد وفاة أسد الدِّين، وضايقوها أُشرفت على الأخذ، فأقام نور الدِّين
¬__________
(¬1) هذه القصة لا تصح، لأنها من رواية رجل مجهول، ثم إنَّ فيها اضطرابًا، فهو قد ذكر في صدر القصة ما يفهم منه أن زمن ذهابه إلى نور الدين لما قتل أتابك زنكي على قلعة جعبر، وملك نور الدين قلعة حلب، وذلك كان سنة (541 هـ).
ثم يخبرنا في آخر القصة ما أخبره به نور الدين من أن المنزلة هذه التي نالها كانت بعد انتصاره على الفرنج في حارم، وذلك كان سنة (559 هـ) فمتى التقى هذا الفقير نور الدين؟ ثم إن الصحيح في أمر الخضر عليه السلام عند العلماء الأثبات المحققين أنه مات، واحتجوا لذلك بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} [الأنبياء: 34] وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا حضر عنده ولا قاتل معه، ولو كان حيًّا لكان من أتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان مبعوثًا إلى الثقلين الجن والإنس، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي"، وأخبر - صلى الله عليه وسلم - قبل موته بقليل أنه قال: "أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن رأس مئةِ سنةٍ منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ"، يريد بذلك أنه ينخرم ذلك القرن، إلى غير ذلك من الدلائل. ومن احتج ببقائه حيًّا اعتمد على حكايات وآثار كهذه.
(¬2) في (ح): وقال المصنف رحمه الله: وحكى لي نجم الدين الحسن بن سلام، قال: لما ملك، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و (ش).
(¬3) ما بين حاصرتين من (م) و (ش).
(¬4) في (ح): حدثني والدي أن الفرنج، والمثبت ما بين حاصرتين من (م) و (ش).

الصفحة 214