كتاب التوضيح لشرح الجامع الصحيح (اسم الجزء: 21)

وقول علي - رضي الله عنه -: (بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا والزبير والمقداد) أكد الضمير المنصوب بأنا، كقوله تعالى: {إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا} [الكهف: 39] وقيل: لا يؤكد بها ضمير المنصوب؛ لأنها في موضع رفع، ولا يؤكد المنصوب بالمرفوع، ويكون أنا في الآية فاصلة على هذا مثل: {تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل: 20] وقوله: (فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} الآية إلى قوله: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} هذا صريح في نزول الآية فيه، وقد ذكره كذلك في التفسير كما ستعلمه.
قال مجاهد: نزلت أيضًا في قوم مع حاطب كتبوا إلى أهل مكة يحذرونهم (¬1).
وقوله تعالى: {بِالْمَوَدَّةِ} أي: تلقون إليهم النصيحة بالمودة؛ لأن (من) لا تزاد في الواجب عند البصريين (¬2)، وأجازه بعض الكوفيين كما سلف هناك. قال الفراء: دخول الباء وخروجها سواء (¬3).
وقوله تعالى: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ} أي: فكيف يخفى عليَّ تحذيركم الكفار.
وقوله: {إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي} فيه تقديم وتأخير، المعنى: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إن كنتم خرجتم، هذا ما عليه الأكثر، وقيل: إن في الكلام حذفًا، أي: إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي فلا تلقوا إليهم بالمودة.
¬__________
(¬1) رواه الطبري في "تفسيره" 12/ 58 (33938).
(¬2) كذا في الأصل.
(¬3) "معاني القرآن" 3/ 147.

الصفحة 419