والحد في السماع خضع لبعض الاعتبارات الإقليمية، فإذا كان أهل البصرة يكتبون الحديث ويسمعونه لعشر سنين (¬2)، فما كان الكوفيون ليتساهلوا في ذلك إلا بعد استكمال أحدهم عشرين سَنَةً، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد (¬3). أما أهل الشام فما كانوا يكتبون العلم إلا لثلاثين (¬4).
ويريدون بضبط الراوي سماعه للرواية كما يجب وفهمه لها فهمًا دقيقًا، وحفظه لها حفظًا كاملاً لا تردد فيه، وثباته على هذا كله من وقت السماع إلى وقت الأداء (¬5). فيلاحظ في شرط الضبط قوة الذاكرة ودقة الملاحظة.
ويعرف ضبط الراوي بموافقة الثِّقَاتِ المُتْقِنِينَ الضَّابِطِينَ إذا اعتبر حديثه بحديثهم، فإن وافقهم غالبًا - ولو من حيث المعنى - فضابط ولا تضر مخالفته النادرة لهم، فإن كثرت مخالفته لهم وندرت الموافقة اخْتَلَّ ضَبْطُهُ وَلَمْ يُحْتَجَّ بِحَدِيثِهِ (¬6).
والحق أن مخالفة الثقات الضابطين ضرب من الانحراف والشذوذ. ولا ريب في أن الذي يتحمل الروايات الشاذة يتحمل وِزْرًا كَبِيرًا وَشَرًّا كَثِيرًا (¬7).
¬__________
(¬1) " الكفاية ": ص 54.
(¬2) " الكفاية ": ص 55.
(¬3) " الكفاية ": ص 54.
(¬4) " الكفاية ": ص 55.
(¬5) والمحدثون يُفَرِّقُونَ هنا بين قديم حديث الرجل وجديده، فقد يُضَعَّفُ ضبط الرجل في أواخر أيامه فيقال فيه: «تَغَيَّرَ بِأَخَرَةٍ». انظر في (" سنن أبي داود ": 3/ 85 رقم 2695) كيف رَدَّ حديث أحد الرواة لأنه تَغَيَّرَ ولم يخرج الحديث إلا بأخرة.
(¬6) " التدريب ": ص 110.
(¬7) " الكفاية ": ص 140.