وما دامت الأمثلة التي ذكرناها تجعل السُنَّةَ بين أمرين: فهي إما مستقلة في التشريع بما ليس في القرآن، إما مفسرة لمجملات القرآن، فلا مناص من الاعتراف - كما قال الشاطبي - بأن «[أَدِلَّةُ] القُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَكُلَّ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى، فَهُوَ لاَحِقٌ فِي الحُكْمِ بِمَا جَاءَ فِي القُرْآنِ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا عَلَيْهِ» (¬1).
وإن هذه الزيادة الملحوظة في التفصيلات النبوية هي التي تجعل للحديث، على جميع الأقوال، المرتبة الثانية بعد القرآن، وهي التي تؤكد أن الشرع الإسلامي يتكون من الأصلين مَعًا: القرآن والحديث، مصداقًا لقول النبي الكريم نفسه: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ , وَسُنَّتِي» (¬2).
اِسْتِقْلاَلُ السُنَّةِ بِالتَّشْرِيعِ وَلَوْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الكِتَابِ:
فإن قيل بعد هذا: بل القرآن دَالٌّ على كل ما في الحديث إجمالاً وتفصيلاً، وما سن الرسول سُنَّةً قَطُّ إلا كان في الكتاب أصلها، لأن الله أنزل القرآن {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} (¬3)، وتمم به الدين كله فقال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (¬4)، وقال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (¬5)، فليس للسنة، بأي صورة، أن تزيد
¬__________
(¬1) " الموافقات ": 4/ 14.
(¬2) قارن بـ " جامع بيان العلم ": 2/ 180.
(¬3) [سورة النحل، الآية: 89].
(¬4) [سورة المائدة، الآية: 3].
(¬5) [سورة الأنعام، الآية: 38].