الأكثرين ليس بحجة (¬1)، ولأن العمل بالحديث خاضع لمقاييس نقدية تتناول - كما أوضحنا (¬2) - المتن قبل السند، المضمون قبل الشكل، والمعنى قبل المبنى.
الاِحْتِجَاجُ بِالخَبَرِ المُحْتَفِّ بِالقَرَائِنِ، وَاِسْتِبْعَادِ الضَّعِيفِ:
من أجل هذا لم يكتف المحققون من العلماء بالاحتجاج بما صح سنده من أخبار الآحاد، بل احتجوا أيضًا بالخبر المحتف بالقرائن، وعدوه مفيدًا للعلم (¬3)، وجنحوا إلى اعتباره أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، وإن كانوا قد خصوا هذا المزية «بِمَا لاَ يَنْتَقِدُهُ أَحَدٌ مِنَ الحُفَّاظِ ... ، وَبِمَا لَمْ يَقَعِ التَّجَاذُبُ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِ ... ، حَيْثُ لاَ تَرْجِيحَ لاِسْتِحَالَةِ أَنْ يُفِيدَ المُتَنَاقِضَانِ العِلْمَ بِصِدْقِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لأَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ» (¬4).
فإن يقبل الخبر المحتف بالقرائن، وتكن قرائنه هي التي تقويه، فإن للحسن - ولا سيما الحسن لذاته (¬5) - من الشبه بالصحيح ما يكاد يدرجه فيه، وما يكاد يُشْرِكُهُ معه في الاحتجاج، وإن كان دونه
¬__________
(¬1) قارن بـ " حصول المأمول من علم الأصول " (لصديق حسن خان): ص 59. مطبعة الجوائب 1296 هـ بالقسطنطينية.
(¬2) راجع فصل (الحديث بين الشكل والمضمون) من كتابنا هذا: ص 275 - 288.
(¬3) عبارة ابن حجر في " شرح النخبة ": ص 7: «الخَبَرُ المُحْتَفُّ بِالقَرَائِنِ يُفِيدُ العِلْمَ خِلاَفًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ».
(¬4) انظر أيضاً شرح النخبة 7.
(¬5) خصصنا الحسن لذاته بالذكر، لأن حسنه ذاتي قائم فيه، غير ناشئ عن سبب أجنبي آخر كما في الحسن لغيره عندما يعضد ببعض الشواهد والمتابعات. وراجع ما ذكرناه عن الحديث الحسن ص 156.