كتاب علوم الحديث ومصطلحه (اسم الجزء: 1)

مُحَدِّثُ مِصْرَ إِلاَّ ابْنَ لَهِيعَةَ» وَلَكِنَّ هذا الإمام الكبير المُحَدِّثَ لا يلبث أنْ يُرْمَى بالتساهل في نظر الذهبي نفسه فيقول: «يُرْوَى حَدِيثُهُ فِي المُتَابَعَاتِ وَلاَ يُحْتَجُّ بِهِ» (¬1) ويقول: «وَلَمْ يَكُنْ عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ باِلمُتْقَنِ» (¬2)، ذلك بأنَّ ابن لهيعة - كما يقول الخطيب البغدادي - «وَكَانَ يَتَسَاهَلُ فِي الأَخْذِ , وَأَيَّ كِتَابٍ جَاؤُوهُ بِهِ حَدَّثَ مِنْهُ , فَمِنْ هُنَاكَ كَثُرَتِ المَنَاكِيرُ فِي حَدِيثِهِ» (¬3). قال يَحْيَى بْنَ حَسَّانَ: «جَاءَ قَوْمٌ , وَمَعَهُمْ جُزْءٌ , فَقَالُوا: سَمِعْنَاهُ مِنِ ابْنِ لَهِيعَةَ , فَنَظَرْتُ , فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ , فَجِئْتُ إِلَى ابْنِ لَهِيعَةَ فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي حَدَّثْتَ بِهِ لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ مِنْ حَدِيثِكَ , وَلاَ سَمِعْتَهَا أَنْتَ قَطُّ؟ , فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ؟ يَجِيئُونِي بِكِتَابٍ فَيَقُولُونَ: هَذَا مِنْ حَدِيثِكَ , فَأُحَدِّثُهُمْ بِهِ» (¬4).

ولا ريب أنَّ كَثِيرًا من المبالغات تحف أخبار الرحَّالين، وإنْ كان لا بُدَّ أنْ يكون لها في أصلها سندٌ صحيح. فهذا حجاج بن الشاعر يقول: «جَمَعَتْ لِي أُمَّي مِائَة رَغِيفٍ فَجَعَلَتْهَا فِي جِرَابٍ، وَانْحَدَرْتُ إِلَى شَبَابَة بِالمَدَائِنِ، فأقمتُ بِبَابِهِ مِائَة يَوِمٍ، كُلَّ يَوْمٍ أَجِيءُ بِرَغِيفٍ فَأَغْمِسُهُ فِي دِجْلَةَ فَآكُلُهُ، فَلَمَّا نَفِدَتْ خَرَجْتُ» (¬5). وهذا أحمد بن الفرات (¬6) يخبر بنفسه بأنه «كَتَبَ عَنْ أَلْفٍ
¬__________
(¬1) " تذكرة الحفاظ ": 1/ 239.
(¬2) " تذكرة الحفاظ ": 1/ 238.
(¬3) " الكفاية ": ص 152.
(¬4) المصدر نفسه، والصفحة ذاتها.
(¬5) " طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ص 106 (بتحقيق أحمد عبيد، مطبعة الاعتدال بدمشق، سنة 1350 هـ).
(¬6) هو الحافظ الحُجَّة أبو مسعود الرازي مُحَدِّثُ أصبهان وصاحب التصانيف. تُوُفِّيَ سَنَةَ 258 هـ.

الصفحة 61