كتاب علوم الحديث ومصطلحه (اسم الجزء: 1)

جامعه أنْ يُسَمَّى «حَافِظًا». فقال الحاكم (¬1) في " المدخل ": «كَانَ الوَاحِدُ مِنَ الحُفَّاظِ يَحْفَظُ خَمْسَ مِائَةَ أَلْفَ حَدِيثٍ» (¬2). ورأى غيره أنَّ الحَدَّ الأدنى ينبغي أَلاَّ يَقِلَّ عن عشرين ألفًا، وَلَكِنَّ فتح الدين بن سيد الناس (¬3) يلاحظ أنَّ هذه القضية نِسْبِيَّةٌ، وأنَّ لكل زمن اصطلاحًا وتحديدًا، فيقول: «أَمَّا مَا يُحْكَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ قَوْلِهِمْ: كُنَّا لاَ نَعُدُّ صَاحِبَ حَدِيثٍ مَنْ لَمْ يَكْتُبْ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ فِي الإِمْلاَءِ، فَذَلِكَ بِحَسَبِ أَزْمِنَتِهِمْ» (¬4).

وإذا كان العدد المحفوظ يتردد بين مئات الألوف وعشراتها - وهو فرق عظيم جِدًّا - فإن لهذا التردد تعليلاً واضحًا، فحين تذكر المئات يشمل الحفظ المرفوع إلى النَّبِي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، والموقوف على الصحابي، والمقطوع على التابعي. نسب الإمام أحمد إلى أَبِي زُرْعَةَ أنه كان يحفظ سبع مائة ألف، ففسر البيهقي (¬5) ذلك بقوله: «أَرَادَ مَا صَحَّ مِنَ الحَدِيثِ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ» (¬6). وقد يشمل حِينَئِذٍ الصحيح وغير الصحيح. قال الإمام البخاري:
¬__________
(¬1) هو أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه، المعروف بالحاكم النيسابوري وَبِابْنِ البَيِّعِ، صاحب التصانيف الشهيرة، وأهمها " المستدرك على الصحيحين " و " المدخل ". تُوُفِّيَ سَنَةَ 405 هـ.
(¬2) " تدريب الراوي ": ص 8.
(¬3) هو أبو الفتح، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد المشهور بِابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ، اليعمري الأندلسي الأصل، المصري الشافعي، أحد الأعلام الحُفَّاظِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 734 هـ. له " عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ".
(¬4) " تدريب الراوي ": ص 7.
(¬5) سَتَرِدُ ترجمة البيهقي.
(¬6) " تدريب الراوي ": ص 8.

الصفحة 79