كتاب رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب

على من بعدهم1، من غير أن يحتاج - أرشدكم الله - في المعرفة لسائر ما دُعينا إلى اعتقاده إلى استئناف أدلة غير الأدلة التي نبه النبي صلى الله عليه وسلم عليها، ودعا سائر أمته إلى تأملها.
إذ كان من المستحيل أن يأتي بعد ذلك أحد بأهدى مما أتى، أو يصلوا من ذلك إلى ما بعد عنه عليه السلام 2 وجميع ما اتفقوا عليه من الأصول مشهور في أهل النقل الذين عنوا بحفظ ذلك، وانقطعوا إلى الاحتياط في (طلب) 3 الطرق الصحيحة إليه من المحدثين والفقهاء.
يعلمه أكابرهم أصاغرهم، ويدرسونه4 صبيانهم في كتاتيبهم ليقروا ذلك عندهم5، وشهرته فيهم، واستغناؤهم في العلم بصحة جميع ذلك بالأدلة التي نبههم صاحب الشريعة عليها في وقت دعوته.
واعلموا - أرشدكم الله - أن ما دل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم من المعجزات بعد تنبيه لسائر المكلفين6 على حدثهم ووجود المحدث لهم قد أوجب
__________
1 يدخل في كلام الأشعري أيضاً ما أجمع عليه أهل عصر من العصور، ويقول الأصوليون بأنه حجة على من جاء بعد هذا الإجماع، وعلى هذا يجب عليهم اتباعه ولا يجوز لهم مخالفته، وهذا ينطبق على إجماع أي عصر بلا استثناء.
قال الغزالي: "ذهب داود وشيعته من أهل الظاهر إلى أنه لا حجة في إجماع من بعد الصحابة، وهو فاسد، لأن الأدلة الثلاثة على كون الإجماع حجة - أعني الكتاب والسنة والعقل - لا تفرق بين عصر وعصر، فالتابعون إذا أجمعوا فهو إجماع من جميع الأمة، فمن خالفهم فهو سالك غير سبيل المؤمنين". (انظر: المستصفى من علم الأصول 1/189، وكذلك التبصرة في أصول الفقه للشيرازي ص359) .
2 وهذا حق لا مرية فيه إلا من أعمى الله بصيرته عن الحق الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد ورد في الصحاح والسنن بأسانيد عديدة قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم "، كما جاء: "إن خير الحديث كتاب الله… الخ". (انظر: البخاري كتاب الأدب باب 770/96، وكتاب الاعتصام باب 2 ج8/139، ومسلم كتاب الجمعة باب 13 ج2/592، والنسائي كتاب صلاة العيدين 3/78، والمسند 3/310، 319، 371، وابن ماجة في مقدمته 1/17) .
وقد عقد ابن تيمية فصلاً في رسالته معارج الوصول قال فيه: "فصل في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميع الدين، أصوله وفروعه باطنه وظاهره، علمه وعمله، فإن هذا الأصول هو أصل الأصول في الدين". (انظر: ج1/175 ضمن مجموعة الرسائل الكبرى) .
ويقول في موطن آخر "بأن الله قال: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} وهو الرد إلى كتاب الله أو إلى سنة الرسول بعد موته، وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ} شرط، وشيء نكرة في سياق الشرط، فأي شيء تنازعوا فيه ردوه إلى الله والرسول، ولو لم يكن بيان الله والرسول فاصلاً للنزاع لم يؤمروا بالرد إليه" (المرجع السابق ص190) .
3 ما بين المعقوفتين من (ت) .
4 في (ت) "يدسونه".
5 تكلم ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل عن مدى تحمل الصحابة والتابعين وأتباعهم لحديث النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند ربه وبلغوا ذلك لمن جاء بعدهم. (انظر: الجرح والتعديل 1/107) .
6 في (ت) ونسخة ابن تيمية: "المتكلفين".

الصفحة 104