كتاب رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب

ويطول الكلام معهم عليها1.
وليس يحتاج - أرشدكم الله - في الاستدلال بخبر الرسول عليه السلام على ما ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى2 مثل ذلك3، لأن آياته والأدلة الدالة4 على صدقه محسوسة مشاهدة قد أعجزت القلوب، وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما يدعو إليه، وتأمل ما استشهد به على صدقه، والمعرفة بأن آياته من قبل الله تدرك بيسير الفكر فيها5، وأنها لا يصح أن تكون6 من البشر لوضوح الطرق إلى ذلك،
__________
1 سبق أن تكلم الأشعري عن إثبات حدوث العالم، واستدل هناك ص145، 147 على حدوث الإنسان بالتغير والاختلاف، وذكرت هناك أن هذا المسلك أخذه عليه ابن تيمية - رحمه الله - وهنا يخالف الأشعري مسلك المتكلمين وينص على غموض الطريقة التي سلكوها في إثبات حدوث العالم - وهي الجوهر والعرض وبين أنها مخالفة لطريقة الأنبياء - وما سبق الأشعري قرره ابن تيمية أتم تقرير، وفي ذلك يقول: "… وتقرير المقدمات التي يحتاج إليها هذا الدليل من إثبات الأعراض التي هي الصفات أولا أو إثبات بعضها كالأكوان التي هي الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق وإثبات حدوثها بإثبات إبطال ظهورها بعد الكون، وإبطال انتقالها من محل إلى محل بعد إثبات امتناع خلو الجسم، إما عن كل جنس من أجناس الأعراض، بإثبات أن الجسم قابل لها، وأن القابل للشيء لا يخلو عنه أو عن ضده، وإما عن الأكوان وإثبات امتناع حوادث لا أول لها رابعاً, والثانية: أن ما لا يخلو عن الصفات التي هي الأعراض فهو محدث، لأن الصفات التي هي الأعراض لا تكون إلا محدثة، وقد يفرضون ذلك في بعض الصفات التي هي الأعراض كالأكوان، وما لا يخلو عن جنس الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا تتناهى". ثم يصل ابن تيمية بعد هذا العرض الدقيق لمذهبهم إلى بطلانه، ويؤكد ما سبق إليه الأشعري فيقول: "فهذه الطريقة مما يعلم بالاضطرار أن محمد صلى الله عليه وسلم لم يدع الناس بها إلى الإقرار بالخالق ونبوة أنبيائه، ولهذا قد اعترف حذاق أهل الكلام كالأشعري وغيره أنها ليست طريقة الرسل وأتباعهم، ولا سلف الأمة وأئمتها، وذكروا أنها محرمة عندهم، بل المحققون على أنها طريقة باطلة وأن مقدماتها فيها تفصيل وتقسيم يمنع ثبوت المدعى بها مطلقاً…". (انظر: الموافقة 1/24، 25) .
وبعد هذا الكلام من ابن تيمية، وما ذكره عن الأشعري يجعلني أقرر أن الأشعري يخالف المتكلمين عموماً ويصف طريقتهم بأنها طريقة مخالفة لمنهج النبوة، وما ذكره سابقاً من استدلاله على حدث الإنسان بالتغير والاختلاف على حدوثه ووجود خالقه يعتذر له فيه بأنه لم يكن خبيراً بدقائق مذهب السلف كغيره من المتقدمين، وخاصة أن هذه الرسالة - كما ذكرت - كتبت قبل الإبانة، ووقتئذ لم يكن في دقة فهمه لمذهب السلف كدقته بعد الإبانة.
ولقد اعتذر له شيخ الإسلام بمثل هذا في أكثر من موطن، وانظر درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية 7/219- 224.
2 ساقطة من (ت) .
3 أي لا يحتاج المؤمن المصدق بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ما ذهب إليه الفلاسفة والمتكلمون من ترك النصوص، وردها بالتكذيب أو التأويل واستعمال العقل والهوى، كما فعلوا في حدوث العالم.
4 ساقطة من (ت) ونسخة ابن تيمية.
5 وعلى رأس هذه الآيات أكبر معجزة، وهي القرآن الكريم الذي قال الله فيه: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} (القمر آية: 17) .
قال ابن كثير: "أي سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس، كما قال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ} (انظر تفسير ابن كثير 7/453) .
وقال القاسمي: "سهله الله للادكار والاتعاظ، لكثرة ما ضرب فيه من الأمثال الكافية الشافية" (انظر: محاسن التأويل 15/5599) .
6 هكذا بالأصل ونسخة ابن تيمية وفي (ت) "أن يكون".

الصفحة 107