كتاب رسالة إلى أهل الثغر بباب الأبواب

فلو كنا نحتاج مع ما1 كان منه عليه السلام في معرفة ما دعانا إليه إلى ما رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال لما كان مبلغاً (إذ كنا نحتاج في المعرفة بصحة ما دعانا إليه) 2 إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها، ولو كان هذا كما قالوا لكان فيما دعا إليه وقوله بمنزلة اللغو3، ولو كان ذلك كذلك لعارضه المنافقون وسائر المرصدين لعداوته في ذلك، ولم يمنعهم منه مانع كما لم يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات ومجادلته في سائر الأوقات، ولكنهم لم4 يجدوا سبيلاً إلى الطعن5؛ لأنه عليه السلام لم يدع شيئاً مما تهم6 الحاجة إليه في معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده، أو مثل فعله إلا وقد بين لهم.
ويزيد7 هذا وضوحاً قوله عليه السلام: "إني قد تركتكم على مثل الواضحة ليلها كنهارها"8، وإذا كان هذا على ما رضينا علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ، ولا
__________
1 في (ت) : "مما".
2 ما بين المعقوفتين من نسخة ابن تيمية، وفي (ت) : "إذ كنا نحتاج إلى المعرفة إليه". وفي الأصل ما يزيد على سطرين مع تكرار بعض كلمات العبارة السابقة وعدم وضوح بعض الكلمات وكل ذلك تحريف، والصواب ما أثبته من نسخة ابن تيمية.
3 في نسخة ابن تيمية "الملغز".
4 في الأصل "لا"، وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية.
5 يبين الأشعري هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين لأمته بياناً شافياً أصول الدين وفروعه، ومن أوضح الأدلة على ذلك أن المشركين الذين ناصبوه العداء لم يجدوا فيما دعاهم إليه أي خلل أو نقص يتهمونه فيه بالتقصير أو عدم الكمال، وبناءً عليه فلسنا بحاجة إلى ما جاء به أهل البدع والضلال، ويكفينا ما جاء من عند الله ورسوله.
6 في نسخة ابن تيمية: "بهم".
7 في الأصل: "ومزيد" وما أثبته من (ت) ونسخة ابن تيمية.
8 يشير إلى معنى هذا الحديث ما أخرجه الحاكم عن العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله: إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعد إلا هالك …" الحديث. انظر المستدرك 1/96، ومسند أحمد 4/126، وابن ماجة في مقدمة سننه 1/4، وابن أبي عاصم في كتابه السنة، وقد حكم الألباني على مجموع أسانيد هذه الروايات بالصحة. انظر: تخريجه لكتاب السنة المسمى بظلال الجنة 1/19، 20، 26، 27، وكلمة "الواضحة" الواردة في كلام الأشعري لم أقف عليها في الروايات المشار إليها، كما لم يشر إليها الألباني، لكن قد أخرج مالك في الموطأ قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "… أيها الناس قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتكم على الواضحة…". (انظر تنوير الحوالك شرح على موطأ مالك 3/42) .

الصفحة 114